الرد على المقاصديين مفهوم نظرية المقاصد ومناقشة حجيتها [صفحة 1] الرد على المقاصديين الفصل الأول مفهوم المقاصد وحجيتها وهو يشتمل على ثلاثة مباحث: [صفحة 2] المبحث الأول: مفهوم المقاصد، ولماذا قالوا بها؟ المبحث الثاني: أدلة القائلين بمقصد المصلحة وتفنيدها. المبحث الثالث: مفهوم المقاصد عند الشاطبي . [صفحة 3] المبحث الأول مفهوم المقاصد، ولماذا قالوا بها؟ [صفحة 4] تمهيد لقد ظل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأتيه الوحي من ربه سبحانه وتعالى ويخبر بذلك أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، ويتلقون ذلك منه بالسمع والطاعة، وإن أصابهم العجب تارة مثلما حدث أن كلمهم النبي صلى الله عليه وسلم عن بقرة تتكلم فتعجبوا وقالوا: بقرة تتكلم، فقال: إني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر (1)’ وإن غضبوا تارة، مثلما غضبت قريش من إعطاء أهل نجد وتركهم(2) أو تلكأوا تارة مثل تلكئهم في الذبح والحلق بعد قصة صلح الحديبية(3) إلا أنه بعد ذلك كله لا يتغير حكم الله لتعجبهم، ولا لغضبهم، ولا لتلكؤهم -رضوان الله تعالى عليهم - على الرغم من أن ذلك كان يحدث في النادر، وليس هو الغالب لكن في النهاية ينقاد الجميع لحكم الله سبحانه وتعالى. ولم يرد عنهم أنهم قالوا مثلما قال الذين في قلوبهم مرض (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً) (4)، ولا سألوه سبحانه لماذا فعلت؟، وقد قال تعالى (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) (5) ، وظل الأمر على هذه الحال حتى نشأ بعد ذلك بقرون وبعد انقضاء القرون الخيرة الأولى من ظل يسأل هذا السؤال، وهو: ما قصد الله تعالى من تشريع هذا الحكم؟، ولماذا حكم الله تعالى هذا الحكم، ثم نظروا في فروع الشريعة فإذا __________ (1) البخاري (محمد بن إسماعيل)، صحيح البخاري، دار طوق النجاة، ط1، 1422م، حديث رقم (3663). (2) المرجع السابق، حديث رقم (3344). (3) المرجع السابق، حديث رقم (2731). (4) سورة المدثر آية 31. (5) سورة الأنبياء، آية: 23 [صفحة 5] وجدوا الله تعالى ذكر سببا لتشريعه لهذا الحكم أو ذاك تعدوا ذلك إلى غيره من الأحكام، حتى جعلوا قصده سبحانه وتعالى لابد أن يكون مطردا في كل ما شابه في ظنهم هذا الحكم من أحكام ,وإن وردت نصوص من السنة الصحيحة تخالف ما توصلوا إليه ردوا تلك النصوص بحجة كونها ظنية الدلالة، وقدموا عليها ما يسمونه بقصد الشارع وقد قال تعالى في المحرمات (وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (6) ، ويقدمون ما يسمونه بقصد الشارع على الحكم الشرعي لأن ذلك ثابت عندهم بالاستقراء, والاستقراء عندهم قطعي فالقطعي يقدم على الظني الذي هو حديث الآحاد،هكذا أطلقت وتلقفها بعض المعاصرين الذين منهم من هو حسن النية ، ومنهم من هو سيئها يريد هدم النصوص، بل هدم الشريعة بكاملها. ذلك أنهم استنبطوا مقاصدا عامة بزعمهم مثل (رفع الحرج) و (حيثما كان المصلحة فثم شرع الله)، فأخذوا هذه القواعد وأمثالها، فكروا بها على النصوص الشرعية إلغاء وتمزيقا لألفاظها ومعانيها، (ثم أخذوا يقيسون ذلك على ما يحسن من العبد ويقبح، فجعلوا يوجبون على الله سبحانه ما يوجبون على العبد، ويحرمون عليه من جنس ما يحرمون على العبد، ويسمون ذلك العدل والحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمته وعدله)(7)، ويسمون ذلك تارة بالمصلحة وتارة بالاستحسان. (وبدأ اسم المقاصد يتردد في جنبات جهات علمية واقتصادية وسياسية متخذة المقاصد الشرعية __________ (6) سورة الأعراف آية 33 (7) ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم)، مجموع الفتاوي، مجمع ملك فهد، المدينة، المملكة العربية السعودية، بدون طبعة، 1416هـ- 1995م، جـ8، ص91. [صفحة 6] وسيلة في هدم مبادئ الدين, وكأن بين المقاصد والنصوص نشازا(8)، ولقد أصابت جنبات الاقتصادي الإسلامي غبار هذه الأفكار، وانطلق البعض إلى مسائل الفقه الاقتصادي والمالي الإسلامي محاولا تطويعها، ولي أعناق أدلتها مستخدما مبدأ (مخالفتها لمقاصد الشارع)، وما قال الله إن له مقصدا أو غاية من هذا الحكم أو ذاك إلا في القليل النادر، بل قال تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (9)، وقال (وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) (10). ولما سبق كان هذا البحث محاولة لبذل النصيحة لتجلية أحكام الشريعة من غبار هذه المحاولات، وكان المبحث الأول لبيان مفهوم وحجية هذه المقاصد، وبالله تعالى التوفيق. مفهوم المقاصد عند القائلين بها، ولماذا قالوا بها؟ أحاول فى هذا المبحث تسليط الضوء على مفهوم المقاصد عند القائلين بها, إذ إنه من الضروري قبل الشروع فى الحديث عن حجية المقاصد من التعريف بماهيتها، والتعريف الذى اختاره الباحث __________ (8) الخليلي (أفلح بن أحمد)، فتح الذرائع أدلته وضوابطه، موقع موسوعة الاقتصاد والتمويل الإسلامي، قسم مقاصد الشريعة اقتصاديا. (9) سورة البقرة آية: 216. (10) سورة المؤمنون آية: 71. [صفحة 7] هو التعريف الذى اعتمده جمهور المعاصرين فى استدلالهم, لذا سيكون هو المعتمد فى الحديث فى هذا البحث ان شاء الله. أولا - مفهوم المقاصد عند القائلين بها : سيقتصر الباحث على تعريف واحد جامع. وهو (ما أراد الشارع حصوله بالأحكام أو بجملة منها) (11) . ولقد أشار قائل هذا التعريف إلى فائدته من حيث كونه جامعا مانعا بأنه إنما عرفها بـ (ما أراد الشارع حصوله) ليندرج في التعريف كل ما أراده الشارع بالتشريع سواء أكان مصالح المكلفين أم لم يكن كالابتلاء، ولم يقل (حصوله للناس) إنما قال (حصوله) فحسب, ليندرج في التعريف ما قصد بالتشريع حصوله لهم كالمصالح والابتلاء، أو حصوله منهم كالإمتثال والفهم , والمراد بـــــــــ(الأحكام) نفس النصوص التي تضمنت التكاليف(12). ويتضح من هذا التعريف وهو قريب من تعريف الشاطبي لأنواع المقاصد و مأخوذمنه أن ما أراد الشارع حصوله قد يكون على أربعة أنواع إما أن يكون فيه مصلحة للعبد وهذه المصلحة قد تكون مصلحة دنيوية أو مصلحة أخروية بحته كما بين الشاطبي نفسه عند كلامه عن المقاصد ، أو يكون ابتلاء من الله سبحانه وتعالى وقد يكون هذا الابتلاء من الله ضد ما يراه العبد منفعة أو __________ (11) طه (حمدي صبح)، المقاصد والغايات، موقع موسوعة الاقتصاد والتمويل الإسلامي، قسم مقاصد الشريعة اقتصاديا وانظر الشاطبي (إبراهيم بن موسى بن محمد)، الموا فقات، دار بن عفان، ط 1 ـ، 1417هـ، 1997م، جـ2، ص7. (12) المقاصد والغايات، المرجع السابق. [صفحة 8] مصلحة دنيوية تعود عليه، كذلك قال الكاتب أن للشريعة مقاصد من العباد وهي أن يفهم العباد نصوص هذه الشريعة وأن يعملوا بمقتضاها على حسب وسعهم وذاد الشاطبي أن يدخل المكلفون جميعا تحتها أي بماحده الله لا على مقتضى الأهواء كما فسر ذلك الأستاذ عبد الله دراز . ويلاحظ من هذا التعريف أنه شمل كل ما أراد الله حصوله بالأحكام وقد يكون المراد مجرد الابتلاء قال تعالى (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (13)، وعلى حسب هذا التعريف فلا داعى لتعليل الأحكام وربطها كلها بما يسمى مصلحة العبد، فقد يكون الحكم المراد به هو مجرد الابتلاء كما سبق، وبالطبع ليس هذا هو غرض الأكثرين الذين يستخدمون لفظ المقاصد لذلك قال الكاتب إنه اقتصر الكثير على تعريفها بأنها (ما أراد الشارع حصوله بالأحكام للعباد من مصالح) وبالتالي قالوا إن كل ما أراد الشارع حصوله من الأحكام هي في مصلحة العبد وإن المقصد الأساسي للتشريع هو مصلحة العبد. قال الشاطبي* (إن وضع الشرائع: إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا و هذه دعوى لابد من إقامة البرهان عليها صحة وفسادا وليس هذا موضع ذلك) (14). ورحم الله الشاطبي إذ (وصف هذه المقدمة بأنها مسلمة وهذا يعني أنه لا خلاف فيها ومع ذلك فقد احتاج إلى القول (وهذه دعوى لابد من إقامة البرهان عليها صحة وفسادا وليس هذا شأن المسلمات، ثم لست أدري ما عنى بقوله: وليس هذا موضع ذلك، مع أن هذا هو أنسب موضع لذلك)(15). __________ (13) سورة الملك آية 2. (14) الشاطبي (إبراهيم بن موسى بن محمد)، الموافقات، دار ابن عفان، ط1، 1417هـ- 1997م، جـ2، ص9. (15) الريسوني (أحمد)، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، الدار العلمية للكتاب الإسلامي، 1412هـ، 1992م، جـ1 ص186. [صفحة 9] ولعل قول الشاطبي هذا الكلام، واختصاره لأدلة المسألة جعل من بعده يتلقف هذه المسألة على أنها مسلمة، ومن ثم نظروا في أفعال العباد وكل ما ظنوه مصلحة قالوا إن ثم شرع الله، وكانوا ما بين متوسع ومضيق في ذلك كما سيبين الباحث إن شاء الله تعالى.إذ إن الشاطبى عندما اطلق لفظ المصلحة انما عنى بها- كما سابين ذلك إن شاء الله فى المبحث الثالث-المصلحة للعبد فى الدنيا والاخرة , وليس ما أرادوه من كونها كل ما اعتقده العبد مصلحة. ثانيا- لماذا قال هؤلاء بما سمي بالمقاصد؟ وللتسهيل لماذا قال هؤلاء : إن ما قصده الله سبحانه و تعالى من تشريعه الأحكام هو ما يراه عباده مصلحة لهم؟ تنبني الإجابة عن هذا السؤال على مقدمتين تسفران عن هذه النتيجة وهما: أولا: قالوا : إن التحسين والتقبيح للعقل فقط فكل ما رآه العقل حسنا فهو حسن ,وكل ما رآه العقل مصلحة فهو المصلحة, وإذا أقر العقل بكون الشيء هذا مصلحة وخالف ذلك النقل فيقدم العقل ويؤول النقل أو يقال بضعفه، وهذا مذهب المعتزلة(16). ثانيا: أن الله تعالى لا يأمر إلا بالحسن في عقولنا , للان أفعال الله معلله فنظرنا في الشريع لاستخراج غرضا أو قصداللشريعة فوجدنا ذلك هو مصلحة العبد إذن فإن قصد الله تعالى من كل أوامره هو مصلحة العبد، ولابد أن يحسنه عقله أولا وقد اطرد المعتزلة مذهبهم هذا في العقائد والعبادات وجميع فروع الشريعة. واقتصر البعض على باب الأعمال دون باب الاعتقاد والعبادات، فنظر في نصوص الشريعة سواء منها ما كان ظنيا ثبوتا أو دلالة فكل ما تعارض من ذلك مع وجهه نظره من كونه مصلحة قام __________ (16) ربيعة (عبد العزيز بن عبد الرحمن)، علم مقاصد الشرع، موقع موسوعة الاقتصاد والتمويل الإسلامي. [صفحة 10] برد النص، ومن هؤلاء الطوفي الحنبلي(17). وتابعة المقاصديون المعاصرون بدرجات متفاوته وهم سيكونوا محل الرد إن شاء الله . فلقد ألف الطوفي نظريته في أوائل القرن الثامن، وقد قال عنه د/ محمد أبو زهرة: إنه كان شيعيا، وقد كان ملخص نظريته: 1- العقل يستقل بإدراك المصالح والمفاسد إلا في العبادات, لأنها حق للشارع. 2- المصلحة دليل شرعي مستقل عن النص لا تعتمد على شهادة النصوص لها. 3- ترك النص إذا أدرك العقل المصلحة في مخالفته إذا كان النص ظنيا ثبوتا أو دلالة(18). أما الفريق الثالث -وهم المالكية ومن وافقهم- فقد ضيق الدائرة أكثر، فقد اعتمد بعضهم على أن العقل يقبح ويحسن ، وأنه يستطيع إدراك المصلحة في أمور المعاملات لا العبادات، لكن الأشاعرة منهم ذهبوا إلى أن التحسين و التقبيح للشرع فقط إلاأنهم قالوا أيضا بما يسمى بالمصلحة المرسلة ولكن هذه المصلحة ليست دليلا شرعيا مستقلا بذاته، بل لابد للشرع أن يشهد لجنس هذه المصلحة، وإن لم يشهد لعينها, فإن لم يشهد الشرع لجنسها فتعتبر مصلحة ملغاة، لا يجوز __________ (17) هو الربيع بن سليمان بن عبد الكريم بن سعيد الملقب بنجم الدين الطوفي، نسبته إلى طوف قرية من سواد العراق كان فقيها حنبليا ثم رمي بالتشيع بل والرفض وله حوالي اثنان وأربعون مؤلفا في القرآن وأصول الدين والفقه وأصوله وغيرها,من مؤلفاته ومنها الإكسير في قواعد التفسير,ومعراج الوصول في أصول الفقه ,توفي سنة 716 ه . (18) انظر الشنقيطي (أحمد بن محمود بن عبد الوهاب)، الوصف المناسب لشرع الحكم، ط عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية المدينة المنورة، ط1، 1415هـ، ص349-350. [صفحة 11] اعتبارها(19). وفي هذه النقطة تختلف نظرية المالكية عن نظرية الطوفي إذ لم يشترط الطوفي أن يشهد الشرع لجنس هذه المصلحة، بل اعتبر المصلحة الملغاة كافية لتقديمها على النصوص. وقد ذهبوا إلى ذلك لأنه بالنظر إلى نصوص الشريعة تبين مراعاة الشرع لبعض مصالح العباد وهذا الاستقراء يفيد القطع وإلى ذلك ذهب الشاطبي وعلى هذا لو تعارضت المصلحة القطعية المشار إليها مع حديث آحاد، وهو عندهم ظني، سواء كان هذا الحديث عام الصيغة، أو خاصها، فإنهم يقدمون عليها المصلحة بحجة كون هذا الحديث ظني الثبوت، والمصلحة قطعية فيقدم القطعي على الظني، وإذا كان النص قطعي الثبوت كأن ثبت عندهم بالقرآن أو بالسنة المتواترة لكنه كان ظني الدلالة لكونه عام مثلا، والعام عند المالكية ظني الدلالة فيجوز تخصيصه بالمصلحة عندئذ. (4) الا أن بعض المعاصرين الذين اعتمدوا مفهوم المصلحة لم ينظروا الى ما نظر اليه الشاطبي من شرط ان تكون هذه المصلحة قد جاء ما يشهد لجنسها بالاعتبار بل عملوا بالمصالح الملغاة كما سيتبين إن شاء الله . أمثلة تتضح بها المذاهب: أولا: مذهب المعتزلة: لما قبح في عقولهم أن يخلق الله أفعال العباد، ثم بعد ذلك يعاقبهم، فإنه يلزم من ذلك عندهم نسبة الظلم إلى الله سبحانه و تعالى، فلهذا كروا على النصوص القطعية بالهدم والإنكار والتأويل فتأولوا __________ (19) (4) انظر الشاطبي ,الموافقات ,مرجع سابق, [صفحة 12] الآيات: مثل (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (20)، وردوا الأحاديث مثل (وتؤمن بالقدر خيره وشره)(21) وغيرها لأن إثبات القدر عندهم وإثبات خلق أفعال العباد في ظنهم يترتب عليه نسبة الله سبحانه إلى الجور الذي لا يحسن في عقولنا.لذلك المعتزلة قالوا أولا بتعليل أفعال الله وأن أفعال الله لا بد أن يكون لها باعث وهذا الباعث عندهم يوجب على الله أن يشرع هذه الأحكام وهذه الاحكام يدرك العقل حسنها وقبح عكسها ابتداء وهذه الأحكام يجب ولا بد أن تكون في صالح العبد ويستقل العقل بأدراك حسنها و قبح عكسها حتى قبل ورود الشرع لذلك عندهم أن مرتكب المعصية قبل ورود الشرع مؤاخذ لأن عقله يستقل بالتحسين والتقبيح حتى ولو لم يرد الشرع بذلك . وقد رد ابن حزم على هذه الفئة التي تقول ان الله لا يفعل ولا يقصد الا ما هو الاصلح للعبد فقال في ((الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/ 29) قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما القائلون بالأصلح من الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُم انْقَطَعُوا هَا هُنَا وَقَالُوا لَا نَدْرِي مَا معنى الإضلال وَلَا معنى الْخَتْم على قُلُوبهم وَلَا الطَّبْع عَلَيْهَا وَقَالَ بَعضهم معنى ذَلِك أَن الله تَعَالَى سماهم ضَالِّينَ وَحكم انهم ضالون وَقَالَ بَعضهم معنى أضلهم أتلفهم كَمَا تَقول ضللت بَعِيري وَهَذِه كلهَا دعاوي بِلَا برهَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد لم نجد لَهُم تَأْوِيلا أصلا فِي قَول الله عز وَجل حِكَايَة عَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ {إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء} __________ (20) سورة الصافات، آية: 96. (21) مسلم (بن الحجاج أبو الحسن القشيري)، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ، حديث رقم 8. [صفحة 13] قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا هُوَ الضلال حَقًا وَهُوَ أَن يحملهم اللجاج والعمى فِي لُزُوم أصل قد ظهر فَسَاده وتقليد من لَا خير فِيهِ من أسلافهم على أَن يدعوا أَنهم لَا يعْرفُونَ مَا معنى الإضلال والختم. قَالَ أَبُو مُحَمَّد وضل جُمْهُور الْمُعْتَزلَة فِي فصل من الْقدر ضلالا بَعيدا فَقَالُوا بأجمعهم حاشا ضرار بن عَمْرو وحفصاً الْفَرد وَبشر بن الْمُعْتَمِر ويسيراً مِمَّن اتبعهم أَنه لَيْسَ عِنْد الله تَعَالَى شَيْء أصلح مِمَّا أعطَاهُ جَمِيع النَّاس كافرهم ومؤمنهم وَلَا عِنْده هدي أهْدى مِمَّا قد هدى بِهِ الْكَافِر وَالْمُؤمن هَذَا مستويا وَأَنه لَيْسَ يقدر على شَيْء هُوَ أصلح مِمَّا فعل بالكفار وَالْمُؤمنِينَ ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَقَالَ جمهورهم أَنه تَعَالَى قَادر على أَمْثَال مَا فعل من الصّلاح بِلَا نِهَايَة وَقَالَ الْأَقَل مِنْهُم وهم عباد وَمن وَافقه هَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتْرك الله تَعَالَى شَيْئا يقدر عَلَيْهِ من الصّلاح من أجل فعله لصلاح مَا وحجتهم فِي هَذَا الْكفْر الَّذِي أَتَوا بِهِ أَنه لَو كَانَ عِنْده أصلح أَو أفضل مِمَّا فعل بِالنَّاسِ ومنعهم إِيَّاه لَكَانَ بَخِيلًا ظَالِما لَهُم وَلَو أعْطى شَيْئا من فَضله بعض النَّاس دون بعض لَكَانَ محابياً ظَالِما والمحاباة جور وَلَو كَانَ عِنْده مَا يُؤمن بِهِ الْكفَّار إِذْ أَعْطَاهُم إِيَّاه ثمَّ مَنعهم إِيَّاه لَكَانَ ظَالِما لَهُم غَايَة الظُّلم قَالُوا وَقد علمنَا أَن إنْسَانا لَو ملك أَمْوَالًا عَظِيمَة تفضل عَنهُ وَلَا يحْتَاج إِلَيْهَا فقصده جَار فَقير لَهُ تحل لَهُ الصَّدَقَة فَسَأَلَهُ درهما يحي بِهِ نَفسه وَهُوَ يعلم فقره إِلَيْهِ وَيعلم أَنه يتدارك بِهِ رمقه فَمَنعه لَا لِمَعْنى فَإِنَّهُ بخيل قَالُوا فَلَو علم أَنه إِذْ أعطَاهُ الدِّرْهَم سهلت عَلَيْهِ أَفعَال كلفه إِيَّاهَا فَمَنعه من ذَلِك لَكَانَ بَخِيلًا ظَالِما,,,,,,, [صفحة 14] وَأي معنى وَأي صَلَاح فِي خلق إِبْلِيس ومردة الشَّيَاطِين وإعطائهم الْقُوَّة على إضلال النَّاس من الْحِكْمَة الْمَعْهُودَة بَيْننَا وبالضرورة نعلم أَن من نصب المصايد للنَّاس فِي الطرقات وَطرح الشوك فِي ممشاهم فَإِنَّهُ عائب سَفِيه فِيمَا بَيْننَا وَالله تَعَالَى خلق كل مَا ذكرنَا بإقرارهم وَهُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم ثمَّ وَجَدْنَاهُ تَعَالَى قد شهد للَّذين بَايعُوا تَحت الشَّجَرَة بِأَنَّهُ علم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم ثمَّ أمات مِنْهُم من ولي مِنْهُم أُمُور الْمُسلمين سَرِيعا ووهن قوي بَعضهم وَملك عَلَيْهِم زياداً وَالْحجاج وبغاة الْخَوَارِج فَأَي مصلحَة فِي هَذَا للحجاج ولقطري أَو لسَائِر الْمُسلمين لَو عقلت الْمُعْتَزلَة وَلَكِن الْحق هُوَ قَوْلنَا وَهُوَ أَن كل ذَلِك عدل من الله وَحقّ وَحِكْمَة وهلاك ودمار وإضلال للحجاج الْمُسَلط ولقطري ونظايرهما أَرَادَ الله تَعَالَى بذلك هلاكهم فِي الْآخِرَة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان ثمَّ نسألهم مَاذَا تَقولُونَ إِذا أَمر الله عز وَجل بجلد الْحرَّة فِي الزناماية وبجلد الْأمة نصف ذَلِك أَلَيْسَ هَذَا مُحَابَاة للْأمة وَإِذ خول الله عز وَجل قوما مَا أَمْوَالًا جمة فعاثوا فِيهَا وَحرم آخَرين أما هَذَا عين الْمُحَابَاة والجور على أصلهم الْفَاسِد فِيمَن منع جَاره الْفَقِير إِلَّا أَن يطردوا قَوْلهم فيصيروا إِلَى قَول من ذكر أَن الْوَاجِب يواسي النَّاس فِي الْأَمْوَال وَالنِّسَاء على السوَاء وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الْقَوْم يدعونَ نفي التَّشْبِيه ويكفرن من شبه الله تَعَالَى بخلقه ثمَّ لَا نعلم أحد أَشد تَشْبِيها لله تَعَالَى بخلقه مِنْهُ فيلزمونه الحكم ويجرون عَلَيْهِ الْأَمر وَالنَّهْي ويشبهونه بخلقه تَعَالَى فِيمَا يحسن مِنْهُ ويقبح ثمَّ نقضوا أصولهم إِذْ من قَوْلهم أَن مَا صلح بَيْننَا بِوَجْه من الْوُجُوه فلسنا نبعده عَن الْبَارِي تَعَالَى وَنحن نجد فِيمَا بَيْننَا من يحابي عبيده على الآخر فَيجْعَل أحدهم مشرفاً على مَاله وَعِيَاله وحاضناً لوَلَده ويرتضيه لذَلِك من صغره بِأَن يُعلمهُ الْكتاب والحساب [صفحة 15] وَيجْعَل الآخر رائضاً لدابته وجامعاً للزبل لبستانه ومنقياً لحشه ويرتضيه لذَلِك من صغره وَكَذَلِكَ الْإِمَاء فَيجْعَل إِحْدَاهُنَّ مَحل إزَاره ومطلباً لوَلَده وَيجْعَل الثَّانِيَة خَادِمًا لهَذِهِ فِي الطَّبْخ وَالْغسْل وَهَذَا عدل بِإِجْمَاع الْمُسلمين كلهم فَلم أَنْكَرُوا أَن يحابى الْبَارِي عز وَجل من شَاءَ من عباده بِمَا أحب من التَّفْضِيل ونقول لَهُم أَيْضا أَيّمَا كَانَ أصلح للْجَمِيع لَا سِيمَا لأهل النَّار خَاصَّة أَن يخترعنا الله تَعَالَى كلنا فِي الْجنَّة كَمَا فعل بِالْمَلَائِكَةِ وحور الْعين أم مَا فعل بِنَا من خلقنَا فِي الدُّنْيَا والتعريض للبلاء فِيهَا وللخلود فِي النَّار (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فبلحوا عِنْد هَذِه فَقَالَ بَعضهم لم يخلق الْجنَّة بعد فَقُلْنَا لَهُم هبكم أَن الْأَمر كَمَا قُلْتُمْ فَإِنَّمَا كَانَ أصلح للْجَمِيع أَن يعجل الله عز وَجل خلقهَا ثمَّ يخلقنا فِيهَا أَو يُؤَخر خلقنَا حَتَّى يخلقها ثمَّ يخلقنا مِنْهَا أم خلقه لنا حَيْثُ خلقنَا فَإِن عجزوا رَبهم جَعَلُوهُ ذَا طبيعة متناهي الْقُدْرَة ومشبها لخلقه وأبطلوا إلاهيته وجعلوه محيزاً ضَعِيفا وَهَذَا كفر مُجَرّد وَنفي السُّؤَال أَيْضا مَعَ ذَلِك يحسبه فِي أَن يجعلنا كالملائكة وَأَن يجعلنا كلنا أَنْبيَاء كَمَا فعل بِعِيسَى وَيحيى عَلَيْهِمَا السَّلَام وَسَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ جهلنا بِوَجْه الْمصلحَة فِي ذَلِك مِمَّا يخرج هَذَا الْأَمر عَن الْحِكْمَة فَقُلْنَا لَهُم فاقنعوا بِمثل هَذَا بِعَيْنِه فَمن قَالَ لكم لَيْسَ جهلنا بِوَجْه الْمصلحَة وَالْحكمَة فِي خلق الله تَعَالَى لأفعال عباده وَفِي تَكْلِيفه الْكَافِر وَالْفَاسِق مَالا يُطيق ثمَّ يعذبهما على ذَلِك مِمَّا يُخرجهُ عَن الْحِكْمَة وَهَذَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأما [صفحة 16] نَحن فَلَا نرضى بِهَذَا بل مَا جهلنا ذَلِك لَكِن نقطع على أَن كل مَا فعله الله تَعَالَى فَهُوَ عين الْحِكْمَة وَالْعدْل وَإِن من أَرَادَ إِجْرَاء أَفعاله تَعَالَى على الْحِكْمَة الْمَعْهُودَة بَيْننَا وَالْعدْل الْمَعْهُود بَيْننَا فقد ألحدوا حظارضل وَشبه الله عز وَجل بخلقه لِأَن الْحِكْمَة وَالْعدْل بَيْننَا إِنَّمَا هما طَاعَة الله عز وَجل فَقَط لاحكمة وَلَا عدل غير ذَلِك إِلَّا مَا امرنا بِهِ أَي شَيْء كَانَ فَقَط وَأما الله تَعَالَى فَلَا طَاعَة لأحد عَلَيْهِ فَبَطل أَن تكون أَفعاله جَارِيَة على أَحْكَام العبيد المأمورين المربوبين المسؤلين عَمَّا يَفْعَلُونَ لَكِن أَفعاله تَعَالَى جَارِيَة على الْعِزَّة وَالْقُدْرَة والجبروت والكبرياء وَالتَّسْلِيم لَهُ وَأَن لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وَلَا مزِيد كَمَا قَالَ تَعَالَى وَقد خَابَ من خَالف مَا قَالَ الله عز وَجل وَمَعَ هَذَا كُله فَلم يتخلصوا من رُجُوع وجوب التجوير والعبث على أصولهم على رَبهم تَعَالَى عَن ذَلِك وَقَالَ متكلموهم لَو خلقنَا فِي الْجنَّة لم نعلم مِقْدَار النِّعْمَة علينا فِي ذَلِك وَكُنَّا أَيْضا نَكُون غير مستحقين لذَلِك النَّعيم بِعَمَل عَمِلْنَاهُ وإدخالنا الْجنَّة بعد استحقاقنا لَهُم أتم فِي النِّعْمَة وأبلغ فِي اللَّذَّة وَأَيْضًا فَلَو خلقنَا فِي الْجنَّة لم يكن بُد من التوعد على مَا حظر علينا وَلَيْسَت الْجنَّة دَار توعد وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى قد علم أَن بَعضهم كَانَ يكفر فَيجب عَلَيْهِ الْخُرُوج من الْجنَّة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا كل مَا قدرُوا عَلَيْهِ من السخف وَهَذَا كُله عَائِد عَلَيْهِم بحول الله تَعَالَى وقوته وعونه لنا فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أما قَوْلهم لَو خلقنَا فِي الْجنَّة لم نعلم مِقْدَار النِّعْمَة علينا فِي ذَلِك فإننا نقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أَكَانَ الله تَعَالَى قَادر على أَن يخلقنا فِيهَا ويخلق فِينَا قُوَّة وطبيعة نعلم بهَا قدر النِّعْمَة علينا فِي ذَلِك أَكثر من علمنَا بذلك بعد دخولنا فِيهَا يَوْم الْقِيَامَة أَو كعلمنا ذَلِك أم كَانَ غير قَادر على ذَلِك فَإِن قَالُوا كَانَ غير قَادر على ذَلِك عجزوا رَبهم تَعَالَى وَجعلُوا قوته متناهية [صفحة 17] يقدر على أمرنَا وَلَا يقدر على غَيره وَهَذَا لَا يكون إِلَّا لعرض دَاخل أَو لبنية متناهية الْقُوَّة وَهَذَا كفر مُجَرّد وَإِن قَالُوا كَانَ الله قَادِرًا على ذَلِك أقرُّوا بِأَنَّهُ عز وَجل لم يفعل بهم أصلح مَا عِنْده وَأَن عِنْده أصلح مِمَّا فعل بهم وَأَيْضًا فَإِن كَانُوا أَرَادوا بذلك أَن اللَّذَّة تعقب الْبلَاء والتعب أَشد سُرُورًا وأبلغ لَزِمَهُم أَن يبطلوا نعم الْجنَّة جملَة لِأَنَّهُ لَيْسَ نعيمها الْبَتَّةَ مشوباً بألم وَلَا تَعب وكل ألم بعد الْعَهْد بِهِ فَإِنَّهُ ينسى كَمَا قَالَ الْقَائِل ... كَانَ الْفَتى لم يعر يَوْمًا إِذا اكتسى وَلم يفْتَقر يَوْمًا إِذا مَا تمولا ... فَلَزِمَ على هَذَا الأَصْل أَن يحدد الله تَعَالَى لأهل الْجنَّة آلا مَا فِيهَا ليتجدد لَهُم بذلك وجود اللَّذَّة وَهَذَا خُرُوج عَن الْإِسْلَام ويلزمهم أَيْضا أَن يدْخل النَّبِيين وَالصَّالِحِينَ النَّار ثمَّ يخرجهم مِنْهَا إِلَى الْجنَّة فتضاعف اللَّذَّة وَالسُّرُور أضعافاً بذلك وَيُقَال لَهُم كُنَّا نَكُون كالملائكة والحور الْعين فَإِن كَانُوا عَالمين بِمِقْدَار مَا هم فِيهِ من نعيم وَلَذَّة فَكُنَّا نَحن كَذَلِك وَإِن كَانُوا غير عَالمين بِمِقْدَار مَا هم فِيهِ من اللَّذَّة وَالنَّعِيم فَهَلا أَعْطَاهُم هَذِه الْمصلحَة ولأي شَيْء مَنعهم هَذِه الْفَضِيلَة الَّتِي أَعْطَاهَا لنا وهم أهل طَاعَته الَّتِي لم تشب بِمَعْصِيَة فَإِن قَالُوا إِن الْمَلَائِكَة وحور الْعين قد شاهدوا عَذَاب الْكفَّار فِي النَّار فَقَامَ لَهُم مقَام التَّرْهِيب قُلْنَا لَهُم وَهل الْمُحَابَاة والجور إِلَّا أَن يعرض قوما للمعاطب ويبقيهم حَتَّى يكفروا فيخلدوا فِي النَّار ليوعظ بهم قوم آخَرُونَ خلقُوا فِي الْجنَّة والرفاهية سرمداً أبدا لَا بُد وَهل عين الظُّلم إِلَّا هَذَا فِيمَا بَيْننَا على أصُول الْمُعْتَزلَة وَكَمن يَقُول من الطغاة قتل الثُّلُث فِي صَلَاح الثُّلثَيْنِ صَلَاح وَهل فِي الشَّاهِد عَبث وسفه أعظم من عَبث من يَقُول لآخر هَات أضربك بالسياط وأردك من جبل وأصفع فِي قفاك وأنتف سبالك [صفحة 18] وأمشيك فِي طَرِيق ذَات شوك دون رَاحَة فِي ذَلِك وَلَا مَنْفَعَة وَلَكِن لأعطيك بعد ذَلِك ملكا عَظِيما ولعلك فِي خلال ضربي إياك أَن تتضرر فَتَقَع فِي بِئْر مُنْتِنَة لَا يخرج مِنْهَا أبدا فَأَي مصلحَة عِنْد ذِي عقل فِي هَذَا الْحَال لَا سِيمَا وَهُوَ قَادر على أَن يُعْطِيهِ ذَلِك الْملك دون أَن يعرضه لشَيْء من هَذَا الْبلَاء فَهَذِهِ صفة الله عز وَجل عِنْد الْمُعْتَزلَة لَا يسْتَحقُّونَ من أَن يصفوا أنفسهم بِأَن يصفوا الله تَعَالَى بِالْعَدْلِ وَالْحكمَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَأما نَحن فَنَقُول لَو أَن الله تَعَالَى أخبرنَا أَنه يفعل هَذَا كُله بِعَيْنِه مَا أنكرناه ولعلمنا أَنه مِنْهُ تَعَالَى حق وَعدل وَحِكْمَة ( ثمَّ نسألهم أَي مصلحَة للعصاة فِي أَن جعل بعض حركاتهم وسكونهم كَبَائِر يسْتَحقُّونَ عَلَيْهَا النَّار وَجعل بعض حركاتهم وسكونهم صغائر مغفورة وَلَقَد كَانَ أصلح أَن يَجْعَلهَا كلهَا صغائر مغفورة وَلَقَد أصلح أَن يَجْعَلهَا كلهَا صغائر مغفورة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد نَص الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن آيَات كَثِيرَة لَا يحْتَمل تَأْوِيلا بتكذيب المعجزين لرَبهم تَعَالَى وَلَيْسَ يُمكنهُم وجود آيَة وَلَا سنة يتعلقون بهَا أصلا فَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى {إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء} أفلم يكن عِنْده أصلح من فتْنَة يضل بهَا بعض خلقه حاشى لله من هَذَا الْكفْر والتعجيز وَقَالَ تَعَالَى {وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس} فليت شعري أَي مصلحَة لَهُم فِي أَن يذرأهم لِجَهَنَّم نَعُوذ بِاللَّه من هَذِه الْمصلحَة وَقَالَ تَعَالَى {وقهم السَّيِّئَات وَمن تق السَّيِّئَات يَوْمئِذٍ فقد رَحمته} فصح أَنه تَعَالَى هُوَ الَّذِي يقي السَّيِّئَات وَأَن الَّذِي رَحمَه هُوَ الَّذِي وَقَاه السَّيِّئَات لِأَن [صفحة 19] من لم يقه السَّيِّئَات فَلم يرحمه وَبلا شكّ أَن من وَقَاه السَّيِّئَات فقد فعل بِهِ أصلح مِمَّا فعل بِمن لم يقه إِيَّاهَا هَذَا مَعَ قَوْله تَعَالَى {وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها} {وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا} وَلَا يشك من لدماغه أقل سَلامَة أَو فِي وَجهه من برد الْحيَاء شَيْء فِي إِن هَذَا كَانَ أصلح بالكفار من إدخالهم النَّار بِأَن لَا يؤتهم ذَلِك الْهدى وَإِن كَانُوا كَمَا يَقُولُونَ من دُخُولهمْ الْجنَّة بِغَيْر اسْتِحْقَاق وَقَالَ تَعَالَى {وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا إِنَّمَا نملي لَهُم خير لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا وَلَهُم عَذَاب مهين} وَقَالَ تَعَالَى {أيحسبون إِنَّمَا نمدهم بِهِ من مَال وبنين نسارع لَهُم فِي الْخيرَات بل لَا يَشْعُرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى {سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ} قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا غَايَة الْبَيَان فِي أَن الله عز وَجل أَرَادَ بهم وَفعل بهم مَا فِيهِ فَسَاد أديانهم وهلاكهم الَّذِي هُوَ ضد الصّلاح وَإِلَّا فَأَي مصلحَة لَهُم فِي أَن يستدرجوا إِلَى الْبِلَاد من حَيْثُ لَا يعلمُونَ وَفِي الْإِمْلَاء لَهُم ليزدادوا إِثْمًا وَنَصّ تَعَالَى إِن كل ذَلِك الَّذِي فعله لَيْسَ مسارعة لَهُم فِي الْخَيْر فَبَطل قَول هَؤُلَاءِ الهلكى جملَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّا لقادرون على أَن نبدل خيرا مِنْهُم} وَفِي هَذَا كِفَايَة)) ولتسهيل الرد على هذه الطائفة و أتباعها نبسط الموضوع بضرب مثل نقول مثلا مفسدة فقر الناس واحتكار البعض للمال هي سبب تشريع أو الباعث على تشريع أو علة تشريع ثلاث مصطلحات يرى الباحث ان يقتصر على تسميتها بالباعث لأن العلة العقلية توجب حدوث الشيئ حدوثا [صفحة 20] ضروريا ولا موجب على الله الا نفسه (إذ أنهم يسمون عملية قول ان هناك باعث على الحكم تعليل أيضا ) .على أي حال كان هناك باعث على تشريع حكم وجوب قسمة الفيئ (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)) وهذالتشريع للحكم له غاية أو غرض أو مقصد أو حكمة كلها ألفاظ يطلقونها ويريدون بها معنى واحد وهذا المقصد هنا (كي لا يكون دولة بين الاغنياء ) ومثال عملي :غضب الشخص (باعث او سبب اوعلة )_ حسب اختلافهم في الاصطلاح –على الانتقام ، وهذالفعل الذي هو الانتقام له (غرض او مقصد او حكمة )وهو الشعور براحة النفس . هنا كان اختلاف العلماء على ثلاث مذاهب المذهب الأول مذهب المعتزلة وهو [صفحة 21] ان لكل الاحكام باعث على التشريع ضرورة وهذا الباعث يوجب على الله تشريع أحكاما معينة حسنة ولا بد في عقولنا وتحقق مقصدا وهو صلاح العبد وهذه الاحكام تلزمنا حتى قبل ورود الشرع ،الفريق الثاني يرى أن هناك عللا وبواعث لتشريع الأحكام ولكن هذه البواعث لا توجب على الله ضرورة تشريع هذه الاحكام بل شرعها الله محض تفضلا منه وهذه الاحكام لها غايات او مقاصد او اغراض وهذه الاغراض كلها لمصلحة العبد الا ان العقل يدرك ذلك جملة اما معرفة المصلحة او الحكمة او الغرض في كل حكم بخصوصه امر يصعب على العقل لذلك كان الامر مقيدا بوجود الشرع ولا تكليف الا بعد وروده لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ومن هؤلاء ابن تيمية وابن القيم ، والفريق الثالث يرى بعدم جواز ان يقال ان هناك علة او باعث جعل الله يشرع هذا الحكم الا اذا قال هونفسه ذلك [صفحة 22] فنتوقف عند ذلك وهذه الاحكام الحكم عليها بالحسن هو للشرع فقط ولا يصح ان يقال ان هناك مقصد لله الا ان يقول هو سبحانه ذلك و ليس لنا ان نقول على الله ما لا نعلم والى هذا ذهب ابن حزم ومن وافقه الا انه ظهر مذهب رابع غريب عن هؤلاء العلماء وهو مذهب الطوفي الحنبلي وعليه كان معول الكثير من المقاصديين المعاصرين بقصد او غير قصد وهو ان لله غرض و مقصد عام و هو رفع الضرر و تحقيق المصلحة وهي تعرف بالعقل في المعاملات لا العبادات فترد لاجلها النصوص في المعاملات إذا خالفت ما يراه الناس مصلحة الا ان المالكية لا يردون لاجلها النصوص الا اذا شهد الشرع لجنسها من اكثر من وجه وبهذا ترتفع عندهم لمرتبة القطعية فترد بها النصوص الظنية او تؤول . قال : ابن النجار (898 - 972 هـ = 1492 - 1564 م) [صفحة 23] فقيه حنبلي مصري. من القضاة. مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (1/ 312) وَفِعْلُهُ تَعَالَى" وَتَقَدَّسَ "وَأَمْرُهُ لا لِعِلَّةٍ وَلا لِحِكْمَةٍ2 فِي قَوْلٍ " اخْتَارَهُ الْكَثِيرُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ3. وَقَالَهُ الظَّاهِرِيَّةُ4، وَالأَشْعَرِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ5. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا لِعِلَّةٍ وَحِكْمَةٍ. اخْتَارَهُ الطُّوفِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ6، وَابْنُ الْقَيِّمِ7، وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ. وَحَكَاهُ عَنْ إجْمَاعِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشِّيعَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تَقُولُ8 بِوُجُوبِ الصَّلاحِ. وَلَهُمْ فِي الأَصْلَحِ قَوْلانِ1. وَالْمُخَالِفُونَ لَهُمْ يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ، لا عَلَى مَنْهَجِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَجَوَّزَتْ طَائِفَةٌ2 الأَمْرَيْنِ. قَالَ3 الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لأَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَعْلِيلِ4 أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامِهِ قَوْلانِ، وَالأَكْثَرُونَ عَلَى التَّعْلِيلِ)) قال : ابن النجار (898 - 972 هـ = 1492 - 1564 م) فقيه حنبلي مصري. من القضاة. مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (1/ 312) [صفحة 24] ((وَفِعْلُهُ تَعَالَى" وَتَقَدَّسَ "وَأَمْرُهُ لا لِعِلَّةٍ وَلا لِحِكْمَةٍ2 فِي قَوْلٍ " اخْتَارَهُ الْكَثِيرُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ3. وَقَالَهُ الظَّاهِرِيَّةُ4، وَالأَشْعَرِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ5. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا لِعِلَّةٍ وَحِكْمَةٍ. اخْتَارَهُ الطُّوفِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ6، وَابْنُ الْقَيِّمِ7، وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ. وَحَكَاهُ عَنْ إجْمَاعِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشِّيعَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تَقُولُ8 بِوُجُوبِ الصَّلاحِ. وَلَهُمْ فِي الأَصْلَحِ قَوْلانِ1. وَالْمُخَالِفُونَ لَهُمْ يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ، لا عَلَى مَنْهَجِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَجَوَّزَتْ طَائِفَةٌ2 الأَمْرَيْنِ. قَالَ3 الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لأَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَعْلِيلِ4 أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامِهِ قَوْلانِ، وَالأَكْثَرُونَ عَلَى التَّعْلِيلِ)). [صفحة 25] قال الزنجاني الزَّنْجاني (573 - 656 هـ = 1177 - 1258 م) محمود بن أحمد بن محمود بن بختيار، أبو المناقب شهاب الدين الزَّنْجاني: لغويّ، من فقهاء الشافعية. من أهل زنجان (بقرب أذربيجان) فيتخريج الفروع على الأصول (ص: 38) ((ذهب الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وجماهير أهل السّنة إِلَى أَن الطَّهَارَة والنجاسة وَسَائِر الْمعَانِي الشَّرْعِيَّة كالرق وَالْملك وَالْعِتْق وَالْحريَّة وَسَائِر الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة ككون الْمحل طَاهِرا أَو نجسا وَكَون الشَّخْص حرا أَو مَمْلُوكا مرقوقا لَيست من صِفَات الْأَعْيَان المنسوبة إِلَيْهَا بل أثبتها الله تحكما وتعبدا غير معللة لَا راد لقضائه وَلَا معقب لحكمه لَا يسال عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون وَلَا تصل آراؤنا الكليلة وعقولنا الضعيفة وأفكارنا القاصرة إِلَى الْوُقُوف على حقائقها وَمَا يتَعَلَّق بهَا من مصَالح الْعباد فَذَلِك حَاصِل ضمنا وتبعا لَا أصلا ومقصودا إِذْ لَيست الْمصلحَة وَاجِبَة الْحُصُول فِي حكمه وَاحْتج فِي ذَلِك بِأَن الله تَعَالَى إِذا جَازَ أَن يُعَاقب الْكَافِر على كفره وَالْفَاسِق على فسقه وَلَا مصلحَة لأحد فِيهِ جَازَ أَن يشرع الشَّرَائِع وَإِن تعلق بهَا مفْسدَة وَلَا يتَعَلَّق بهَا مصلحَة لأحد وَلذَلِك الله تَعَالَى كلف الْإِنْسَان مَا لَيْسَ فِي وَسعه فَقَالَ تَعَالَى {فَأتوا بِعشر سور مثله مفتريات} {فَأتوا بِسُورَة مثله} وَقَالَ للْمَلَائكَة {أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين} وكل ذَلِك تَكْلِيف للْإنْسَان [صفحة 26] مَا لَيْسَ فِي وَسعه وَذَلِكَ ضَرَر لَا مصلحَة فِيهِ وسر هَذِه الْقَاعِدَة أَن الله تَعَالَى مَالك الْملك وخالق الْخلق وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِقِيَاس الشَّاهِد على الْغَائِب بِنَاء على قَاعِدَة التحسين والتقبيح وَزَعَمُوا أَن شرع الحكم لَا لمصْلحَة عَبث وسفه والعبث قَبِيح عقلا وَهُوَ كإقدام الرجل اللبيب على كيل المَاء من بَحر إِلَى بَحر فَإِنَّهُ يقبح مِنْهُ ذَلِك وَيسْتَحق الذَّم عَلَيْهِ وَإِذا تمهدت هَذِه الْقَاعِدَة فَنَقُول الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ حَيْثُ رأى أَن التَّعَبُّد فِي الْأَحْكَام هُوَ الأَصْل غلب احْتِمَال التَّعَبُّد وَبني مسَائِله فِي الْفُرُوع عَلَيْهِ وَأَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ حَيْثُ رأى أَن التَّعْلِيل هُوَ الأَصْل بنى مسَائِله فِي الْفُرُوع عَلَيْهِ)) ولتوضيح مذهب ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهم انقل قوله قال ابن القيم وهو من القائلين بأن العقل يدرك الحسن والقبح قبل الشرع و من القائلين بالتعليل في مفتاح دار السعادة كلاما يهدم مذهب المقاصديين ((بل غاية العقل أن يدرك بالإجمال حسن ما أتى الشرع بتفصيله، أو قبحه. فيدركه العقل جملة. ويأتي الشرع بتفصيله، وهذا كما أن العقل يدرك حسن العدل، وأما كون هذا الفعل المعين عدلًا أو ظلمًا، فهذا مما يعجز العقل عن إدراكه في كل فعل وعقد. وكذلك يعجز عن إدراك حسن كل فعل وقبحه. [صفحة 27] فتأتي الشرائع بتفصيل ذلك وتبيينه. وما أدركه العقل الصريح من ذلك، تأتي الشرائع بتقريره. وما كان حسنًا في وقت قبيحًا في وقت، ولم يهتد العقل لوقت حسنه من وقت قبحه أتت الشرائع بالأمر به في وقت حسنه، وبالنهي عنه في وقت قبحه. وكذلك الفعل يكون مشتملا على مصلحة ومفسدة، ولا تعلم العقول: مفسدته أرجح أم مصلحته؟ فيتوقف العقل في ذلك. فتأتي الشرائع ببيان ذلك، وتأمر براجح المصلحة, وتنهى عن راجح المفسدة. وكذلك الفعل يكون مصلحة لشخص، مفسدة لغيره. والعقل لا يدرك ذلك. فتأتي الشرائع ببيانه، فتأمر به من هو مصلحة له، وتنهى عنه من هو مفسدة في حقه. وكذلك الفعل يكون مفسدة في الظاهر، وفي ضمنه مصلحة عظيمة، لا يهتدي إليها العقل، فلا تعلم إلا بالشرع: كالجهاد والقتل في الله. ويكون في الظاهر مصلحة، وفي ضمنه مفسدة عظيمة لا يهتدي [صفحة 28] إليها العقل، فتجيء الشرائع ببيان ما في ضمنه من المصلحة والمفسدة الراجحة. هذا مع أن ما يعجز العقل عن إدراكه من حسن الأفعال وقبحها ليس بدون1 ما تدركه من ذلك. فالحاجة إلى الرسل ضرورية. بل هي فوق كل حاجة. فليس العالم إلى شيء أحوج منهم إلى المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين"2.)) ومن الملاحظ أنه بعدما اطنب الريسوني في ان التعليل هو المذهب الحق وطار بكلام ابن القيم في التعليل كل مطار فوجئ بان ابن القيم لا يعني تماما ما ذهب اليه بان العقل البشري يستقل استقلالا تاما بادراك المصلحة كما يريد الريسوني ان يذهب ويقضي بذلك على النصوص بل ارجع ابن القيم الامر في اكثر الاحوال الى عجز العقل عن ادراك الحسن والقبح والعدل والظلم في المسائل التفصيلية لذا الاستدلال بكلام ابن القيم عاد [صفحة 29] عليه لانه عنى بالتعليل ان للافعال علة وهذه العلة هي مصلحة العباد ومصلحة العباد لا تدرك في معظم الاحوال الا من جهة الشرع فلا حاجة هنا الى الاستدلال بكلام ابن القيم لان الامر عاد الى ما نقول بان كل احكام الشرع هي في عينها حكمة وعدل ويسر لا بمقاييسنا بل بمقياس الشرع وهذا مذهب القائلين بالتعليل حاشا الطوفي فلا داعي للاستدلا بان الجمهور يقولون بالتعليل لانهم يقصدون معنى غير المعنى الذي يريده هو كما بين ابن القيم والعجب ان الريسوني بعدما افاض أيضا في شرح مذهب الشاطبي في اثبات مقاصد الشرع وأنها كله تدور حول مصالح العباد ونقل كلامه التالي كما جاء في كتاب الريسوني ( نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي )(ص: 204) قال والشاطبي نفسه -الذي ذكر صراحة وضمنا وجود مخالفين في المسألة- نجده ينص أيضًا: على وجود إجماع على التعليل، وإن كان في عباراته شيء من التحفظ. فهو يقول: "والإجماع على أن الشارع يقصد بالتكليف المصالح على الجملة4 ويقول أيضًا "الشارع وضع الشريعة على اعتبار المصالح باتفاق5)) فوجئ بكلام الشاطبي التالي الذي نقله هو أيضا((كون المصلحة مصلحة تقصد بالحكم، والمفسدة مفسدة كذلك، مما يختص بالشارع، لا مجال للعقل فيه، بناء على قاعدة نفي التحسين والتقبيح. فإذا كان الشارع قد شرع الحكم لمصلحة ما، فهو الواضع لها كمصلحة. وإلا فكان يمكن -عقلًا- أن [صفحة 30] لا تكون كذلك. إذ الأشياء كلها بالنسبة إلى وضعها الأول متساوية لا قضاء للعقل فيها بحسن ولا قبح. فإذًا، كون المصلحة مصلحة هو من قبل الشارع، بحيث يصدقه العقل وتطمئن إليه النفس"3)) ويقول (("أن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها، وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه"4.)) اذن الاستدلال بكلام الشاطبي يسقط من اساسه اذ انه يعني بالتحسين والتقبيح والمصلحة كل ما قضى الله بكونه كذلك لا حسب اهواء البشر فكان الاستدلال بكلام الشاطبي وابن القيم هو استدلال في غير محله تماما كذلك راي الجمهور الذي نسب اليهم التعليل بالمصلحة ثانيا: أمثلة على مذهب الطوفي: لم يشأ نجم الدين الطوفي خلال عرضه الطويل أن يقدم مثلا واحدا لتعارض النص مع مصلحة حقيقية(22). ثالثا: مثال على مذهب المالكية ومن وافقهم: مثال: يلاحظ أن المؤتمن في الشرع ليس عليه ضمان وقد ورد حديث بذلك عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي قال (لا ضمان على مؤتمن) رواه الدارقطنى قال الحافظ: إسناده __________ (22) (جريشة) علي محمد، المصلحة المرسلة محاولة لبسطها ونظرة فيها، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة 1397هـ - 1977م – ص39. [صفحة 31] ضعيف(23) وحسنه الألباني بطرقه(24) فإذا كان هناك أجير يأتمنه الناس على أمتعتهم للعمل لهم فيها مثل الحائك والإسكافي وغيرهما فليس عليهم ضمان ما تلف في أيديهم إلا بالتعدي لأن الأصل عدم التعدي ويكفيه يمينه للحديث (ولكن اليمين على المدعي عليه) (25). لكن نظر المالكية إلى ذلك، فقالوا إن مصلحة الناس في تضمين هؤلاء الصناع، وإثبات أن الأصل تعديهم، إذ أن مصلحة الناس مصلحة عامة أما مصلحة هؤلاء الصناع فمصلحة خاصة، وقد ورد بالاستقراء في نصوص الشريعة تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وهذا الاستقراء يفيد القطع، ومأخوذ من نصوص مثل (نهيه أن يبيع حاضر لباد)(26)، فهنا راعي رسول الله مصلحة أهل السوق، وهي مصلحة عامة مقدما إياها على مصلحة البادي، وهي مصلحة خاصة. وكذلك المنع من تلقي الركبان,وتحريم الاحتكار ,فكل هذه الادلة وغيرها مما لم يذكر يفيد بمجموعها ان تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة مقصود للشارع ولم يدل دليل منها على هذا الامر بانفراده ولكن يؤخذ هذا المقصود من مجموع هذه النصوص وتلك الاحكام(27) . __________ (23) الرباعي (حسن بن أحمد بن يوسف)، فتح الغفار الجامع لأحكام سنة نبينا المختار، دار عالم الفوائد، ط 1، 1427هـ، جـ3، ص1273، الدارقطني (علي بن عمر)، سنن الدارقطني، مؤسسة الرسالة، بيروت لبنان، ط1، 1424م- 2004م، حديث (2961). (24) الألباني (محمد ناصر الدين) ارواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، المكتب الإسلامي، ط2، 1405هـ 1985م،ج 5ص 385. (25) رواه البخاري (2514)، ومسلم (1711). (26) البخاري (2140)، مسلم (1413). (27) حسان(حسين حامد),نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي,مكتبة المتنبي ,1981,بدون ناشر بدون تاريخ. [صفحة 32] فيكون بذلك قد شهد الشرع لجنس العلة فكان الحكمان متجانسين وهما (حرمة بيع الحاضر للبادي) و(حرمة تحميل صاحب السلعة تبعة هلاكها) لأن العلتين متجانستان في كونهما يندرجان تحت أصل (تقديم المصلحة العامة على الخاصة) وإن كانتا مختلفتا العين فعلة التحريم في المثال الأول هو نفس (بيع الحاضر للبادي ,لأنه وصف ظاهر منضبط ,فإذا وجد بيع الحاضر للباد وجد التحريم وفي المثال الثانى، العلة هي (تضمين صاحب السلعة التي عند الأجير المشترك) فيلجأ المالكية في هذه الحالة إلى العدول عن الأحاديث الصحيحة لكونها عندهم ظنية الثبوت إلى ما أسموه بمقصد الشارع الذي هو تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة الذي هو عندهم من القطعيات. ومن الأمثلة التي رد فيها الإمام مالك الأحاديث الصحيحة تعلقا بالمقصد المصلحي والمتعلقة بالفقه المالي والاقتصادي: - رده لحديث (البيعان بالخيار مالم يتفرقا) (28)، لأن فترة الخيار غير محددة الوقت وقد تطول وهذا غرر، فيخالف ذلك النهي عن بيع الغرر قالوا: ولو شرط أحد الخيار مدة مجهولة لبطل إجماعا، فكيف يثبت بالشرع حكما لا يجوز شرطا بالشرع(29). وردوا حديث رافع بن خديج (كنا مع النبي بذي الحليفة من تهامه فأصبنا غنما وإبلا فعجل القوم فأغلوا بها القدور فجاء رسول الله فأمر بها فأكفئت) (30). __________ (28) البخاري (2004). (29) حامد ,نظرية المصلحة ,مرجع سابق , . (30) البخاري، مرجع سابق، حديث رقم (2507). [صفحة 33] وذلك ردوه لأنه معلوم من الشرع من مقاصده (رفع الحرج) وفي إتلاف اللحم والمرق حرج. هكذا سارعوا لقبح ذلك عقلا عندهم. لكن قال النووي (واعلم المأمور به من إراقة القدور إنما هو إتلاف لنفس المرقة عقوبةً لهم وأما نفس اللحم فلم يتلقوه بل يُحمل أنه جُمع ورد إلى المغنم ولا يظن أنه أمر بإتلافه لأنه مال للغانمين وقد نهي عن إضاعة المال،......) وإن قيل فلم ينقل أنهم حملوا اللحم إلى المغنم قلنا ولم ينقل أيضا أنهم أحرقوه وأتلفوه وإذا لم يأت فيه نقل صريح وجب تأويل على وفق القواعد الشرعية) (31). أدلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين سواء من جعلهما تابعين للوحي أو غير تابعين له، والرد عليها : 1- لو نظرنا إلى الأفعال وجدنا فيها صفات قد يدرك العقل حسنها وقبحها،... ومن ذلك العدل فإنه فعل حسن ,......’ومن ذلك الظلم فانه فعل قبيح. (الرد) إن معنى العَدْل هو الحكم بالحق(32)، وأصل الظلم: هو وضعك الشيء في غير موضعه(33). فان كان ذلك كذلك اذن فالحق هو ما يحكم به الله سبحانه وتعالى قال تعالى: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) (34). __________ (31) النووي (يحي بن شرف)، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي، ط2، 1392هـ، جـ13، ص126. (32) الفراهيدي (الخليل بن أحمد بن عمرو)، كتاب العين، دار الهلال، بدون طبعة، بدون تاريخ، جـ2، ص38. (33) الأزدي (محمد الحسن بن دريد)جمهرة اللغة، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1987م، جـ2، ص934. (34) سورة غافر: آية: 20. [صفحة 34] وموضع الشيء الذي يجب أن يوضع فيه الذي يبينه هو الله سبحانه وتعالى فإن وضع في غير ذلك الموضع كان هذا يسمى ظلمًا. ونسألهم عن الربا أمن العدل هي أم من الظلم؟ فإن قالوا هي من الظلم عقلا, فأقول لقد كانت الربا حلالا في صدر الإسلام, وتعامل بها الصحابة فترة من الزمان, وكانت لهم حلالا ,أفهذا الحكم قبل التحريم كان عدلا أم ظلما؟ فإن قالوا :كان عدلا, أصابوا وما كونه عدلا إلا لإباحة الله سبحانه وتعالى له وإن قالوا بل كان ظلما فكيف يقر الله سبحانه وتعالى ورسوله الظلم , ويسألون نفس السؤال عن شرب الخمر, وزواج المتعة ,و نكاح ما فوق الرابعة, ولكن الباحث سيحاول الاقتصار على جانب المعاملات المالية المتعلقة بالجانب الاقتصادي فقط. وقد اعترض المشركون على ربهم بمثل هذه الاعتراضات, فقد أرادوا إباحة الزيادة في المال مقابل الأجل من أجل أن ذلك لا ينكره العقل, فإذا باعوا شيئا وحل الدين الذي على المشتري (يقول الغريم لغريم الحق: زدني في الأجل وأزيدك في مالك فكان يقال لهما إذا فعلا ذلك: هذا ربا لا يحل. فإذا قيل لهما ذلك قالا: سواء علينا زدنا في أول البيع أو عند محل البيع) (35)، فقالوا قولتهم المشهورة (إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) فالاثنان لا فارق بينهما عقلا لكن رد الله عليهم فقال (وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (36). __________ (35) الطبري (محمد بن جرير بن يزيد)، جامع البيان في تأويل القرآن، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ 2000م، جـ6، ص12، 13. (36) سورة البقرة آية 275. [صفحة 35] قال الطبري "فقال الله عز وجل ليست الزيادة من وجه البيع نظير الزيادة من وجه الربا ,لأني أحللت البيع وحرمت الربا, والأمر أمري والخلق خلقي, أقضي فيهما ما أشاء واستعبدهم بما أريد, ليس لأحد منهم أن يعترض في حكمي ولا أن يخالف أمري, وإنما عليهم طاعتي والتسليم لحكمي"(37). ويسألون عن الفرق بين من يقرض آخر دينارا إلى شهر أجائز هو؟ فمن قولهم أن ذلك جائز ,ويسألون عن من باع من آخر دينارا إلى شهر فمن قولهم هذا ربا نسيئة للحديث "الذهب بالذهب يدا بيد مثلا بمثل سواءً بسواء"(38) فيقال لهم ما الفرق في العقل بين الاثنين؟ فإن قالوا لا فرق, أقروا بأن الحكم إنما هو لله سبحانه و تعالى فقد حكم على الأول أنه فعل خير وإرفاق وحسن وحكم على الثاني بأنه ربا محرم ملعون آكله وقبيح ,والمسألتان متشابهتان جدا لكن الله يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وليس أمامنا إلا التسليم. إذن ليس هناك قاعدة عامة تحكم أفعال الله سبحانه و تعالى بحيث يجب عليه تعالى الله أن يطردها في كل فرع من فروع الشريعة ويرد لها النصوص الصريحة الصحيحة ولله الحمد. 2- ومن قولهم أن الشارع وصف بعض الأفعال بالحسن قبل أن يأذن بها ووصف بعضها بالقبح قبل أن ينهي عنها, ومن ذلك قوله تعالى (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (39). قالوا: لا يأمرهم بما هو فاحشة في العقول __________ (37) المرجع السابق، جـ6، ص12. (38) المرجع السابق، نفس الحديث. (39) سورة الأعراف: آية 28 [صفحة 36] والفطر فلو كان إنماعلم كونه فاحشة بالنهي لصار معنى الكلام أن الله لا يأمر بما ينهي عنه و الفاحشة هنا هي طوافهم بالبيت عراة"(40). (الرد) أولا ليس مسلما أن المراد هو الطواف بالبيت عراة قال البغوي "قال ابن عباس ومجاهد: هي طوافهم بالبيت عراة وقال عطاء: الشرك"(41). قال البيضاوي "وإذا فعلوا فاحشة: فعلة متناهية في القبح كعبادة الصنم وكشف العورة في الطواف"(42)، والشرك هم كانوا منهيين عنه لأنهم كانوا مخاطبين به منذ ديانة إبراهيم وقد حكم الله بكونه فاحشة، وحتى إن كان المراد كذلك فما المانع أن الله سبحانه و تعالى يحكم على أشياء أنها من الفحشاء ثم بعد ذلك لا يأمر بها فيكون المعنى إن الله لا يأمر بما قضي كونه أنه فحشاء. ويسألون هنا عن حكم من تزوج بأخته أمن الفحشاء هو أم لا؟ فإن قالوا نعم فيقال: قد كان ذلك جائزا في شريعة آدم عليه السلام ولم يكن فحشاء حينئذ, وأصبح فحشاء في شريعتنا, فالله يحكم بما شاء, وبالله تعالى التوفيق. 3- استدلوا بقول الله تعالى (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ) (43)، وقول الله تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ) (44). فذهب هذا الفريق إلى أن المعروف كان معروفا عن طريق العقل قبل أن يأمر به الله سبحانه و تعالى, وكذلك المنكر كان منكرا قبل أن ينهى الله عنه __________ (40) ربيعة(عبد العزيز بن عبد الله), علم مقاصد الشرع، مرجع سابق, (41) البغوي (الحسين بن مسعود بن محمد)، معالم التنزيل في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1420هـ، جـ2، ص186. (42) البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل)، دار إحياء التراث العربي، بدون طبعة، 1418هـ، جـ3، ص15. (43) سورة الأعراف آية 157. (44) سورة الأعراف آية 157. [صفحة 37] كذلك كانت الطيبات معروفة قبل الإحلال فكذلك الخبائث، يقول ابن تيمية "وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع أحدها: أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة ولو لم يرد الشرع بذلك,كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم والظلم يشتمل على فساده فهذا النوع هو حسن وقبيح وقد يعلم بالعقل و الشرع قبح ذلك ,لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن، لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون صاحبه معاقبا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك. وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح، فإنهم قالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسول, وهذا خلاف النص قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (45) ، وقال تعالى (رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) سورة النساء :165 وقال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (46). النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا ,وإذا نهى عن شيء صار قبيحا واكتسب الفعل صفحة الحسن والقبح بخطاب الشرع. النوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد هل يطيعه أم يعصيه ولا يكون المراد فعل المأمور به كما أمر إبراهيم بذبح ابنه فلما أسلما وتله للجبين حصل المقصود ففداه بالذبح..، فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به وهذا النوع والذي قبله لا يفهمه المعتزلة وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع، والأشعرية ادعوا أن جميع __________ (45) سورة الإسراء ,اية 15. . (46) سورة القصص ,آية 59. . [صفحة 38] التشريع من قسم الامتحان فإن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع، وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة وهو الصواب"(47). من كلام ابن تيمية السابق هذا يتبين من القسم الثاني أن هناك أفعالا تكتسب اسم الحسن بالأمر بها وبالتالي تكون فيها المصلحة سواء دنيوية أو أخروية وأن هناك أفعالا تكتسب اسم القبح من نهي الله عنها وبالتالي يكون فعلها هو القبيح, وبالتالي يكون فيها المفسدة. وظاهر كلامه - رحمه الله -أنها تكتسب ذلك وإن ظن الناس غير ذلك ويبين هذا بوضوح بقوله في كلامه على المصالح المرسلة حيث قال: "وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به ,فإن من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم، وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه، وربما قدم على المصالح المهدية كلاما بخلاف النصوص، وكثير منهم أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعا بناء على أن الشرع لم يرد بها، ففوت واجبات ومستحبات أو وقع في محظورات ومكروهات , وقد يكون الشرع ورد بذلك فلم يعلمه وحجة الأول: أن هذه مصلحة والشرع لا يهمل المصالح بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع على اعتبارها. وحجة الثاني: أن هذا أمر لم يرد به الشرع نصا ولا قياسا. والقول بالمصالح المرسلة يسن من الدين ما لم يأذن به الله وهي تشبه من بعض الوجوه مسألة الاستحسان والتحسين العقلي والرأي ونحو ذلك، فإن الاستحسان طلب الحسن والأحسن كالاستخراج، وهو رؤية الشيء حسنا، كما أن الاستقباح رؤيته قبيحا، و الحسن هو المصلحة، فالاستحسان والاستصلاح متقاربان والتحسين العقلي قول بأن العقل __________ (47) مجموع الفتاوي، مرجع سابق، جـ5، ص43. [صفحة 39] يدرك الحسن لكن بين هذه فروق، والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط،.. لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له، إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر ,أو أنه ليس بمصلحة و إن اعتقده مصلحة لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة وكثيرا ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة كما قال تعالى في الخمر والميسر (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) وكثير مما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل التصوف وأهل الرأي وأهل الملك حسبوه منفعة أو مصلحة نافعا وحقا وصوابا ولم يكن كذلك بل كثير من الخارجين عن الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين والصائبين والمجوس يحسب كثير منهم أن ما هم عليه من الاعتقادات والمعاملات والعبادات مصلحة لهم في الدين والدنيا ومنفعة لهم فقد (ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) سورة الكهف :104, وقد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا، فإذا كان الإنسان يرى حسنا ما هو سيئ كان استحسانه أو استصلاحه قد يكون من هذا الباب"(48). إذن فقد قرب- رحمه الله -مذهب جمهور أهل السنة في هذه المسألة وأن المرد الأخير إنما هو للشرع فقط وإن ظن أن المصلحة بخلافه، وهذا ما يسعى الباحث لإثباته وهذا يرد قول كل من المعتزلة والطوفي والمالكية لكن ذكر ابن تيمة القسم الثالث: وهو الفعل الذي ظاهره مفسدة وقبيح ومثل له بقتل النبي إبراهيم عليه السلام ابنه المطيع إسماعيل عليه السلام ولكن قال: أن هذا قد __________ (48) ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم) مجموعة الرسائل والمسائل، لجنة التراث العربي، جـ5، ص23، 24. [صفحة 40] يؤمر به على سبيل الامتحان ولا يكون المراد فعل المأمور به؟؟؟ لكن هنا سؤال يُلح أليس الأمر به قد جاء، ونحن نقطع أن الله لا يأمر بالفحشاء وإبراهيم عليه السلام وابنه عليه السلام النبيان الكريمان لم يقولا ولم يسألا لماذا يارب فعلت ذلك؟ مثلما يسأل هؤلاء ولم يقولا ما الحكمة؟ وما المصلحة؟ ولا أن هذا يعارض مقاصد الشريعة من (حفظ النفس) كيف وهي نفس طاهرة زكية، فتقدم هنا مقاصد الشرع القطعية على أمر الذبح, بل قابلا الأمر بالتسليم والإذعان. والسؤال: أليس يدل ذلك أنهما فهما أن هذا الأمر على الرغم من أن ظاهره للعقل القاصر كونه قبيح إلا أنه لما أمر به الله فهو الحق والعدل والحسن وإذا كانت القسمة الثلاثية التي ذكرها ابن تيمية هذه فلماذا لا يكون كثير من أحكام الشريعة الثابتة بالكتاب والسنة هي من هذا القسم الثالث وهي التي يكون المراد منها مجرد الامتحان للعبيد ونحن لا ندري أنها كذلك، أما قول ابن تيمية أن فعل المأمور لا يكون مرادا , فيرده قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) (49) ، قال الطبري: "فلو أن فرضنا على هؤلاء الذي يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المحتكمين إلى الطاغوت أن يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها (ما فعلوه) يقول: ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ولا هاجروا من ديارهم"(50). (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ) من اتباع الشرع والانقياد لرسول الله لكان خيرا لهم في الدنيا والأخرى وأشد تثبيتا لأقدامهم على الحق(51). __________ (49) سورة النساء آية: 66 (50) تفسير الطبري، مرجع سابق، جـ8، ص525. (51) الشوكاني (محمد بن علي)، فتح القدير، دار بن كثير- دار العلم الطيب، دمشق، بيروت، ط1، 1414هـ، جـ1، ص560. [صفحة 41] ففي هذه الآيات دليل على أن نفس المأمور به مراد من قتلهم أنفسهم ,وهذا عند القائلين بالمقاصد ينافي مقصد حفظ النفس القطعي, لكن ذمهم الله على عدم انقيادهم للأمر وأن رأوه قبيحا، قال القرطبي "وذكر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: لو كتب ذلك لبدأت بنفسي وأهل بيتي(52) إذن المراد من أمر الله سبحانه وتعالى غير مفهوم أصلا هل هو امتحان، أم معقول لنا، حتى على رأي الجمهور فبناء على ذلك لابد من الانقياد في كل الأحوال وبالله تعالى التوفيق. هدم مسألة الاستحسان العقلى يقول ابن حزم رحمه الله (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (53) ولم يقل تعالى فردوه إلى ما تستحسنون ومن المحال أن يكون الحق فيما استحسنا دون برهان لأنه لو كان كذلك لكان الله تعالى يكلفنا ما لا نطيق ولبطلت الحقائق ولتضادت الدلائل وتعارضت البراهين ولكان تعالى يأمرنا بالاختلاف الذي قد نهانا عنه وهذا محال لأنه لا يجوز أصلا أن يتفق استحسان العلماء كلهم على قول واحد على اختلاف هممهم وطبائعهم وأغراضهم، ونحن نجد الحنفيين قد استحسنوا ما استقبحه المالكييون ونجد المالكيين قد استحسنوا قولا قد استقبحه الحنفيون فبطل أن يكون الحق في دين الله عز وجل مردودا إلى استحسان بعض الناس. واحتجوا في الاستحسان بقول يجري على ألسنتهم وهو (ما رآه __________ (52) القرطبي (محمد بن أحمد بن أبي بكر ),أحكام القرآن , دار الكتب المصرية ,القاهرة,ط2, 1384ه,1964م,ج5 ص 70. (53) سورة النساء :59 . . [صفحة 42] المسلمون حسنا فهو عند الله حسن) (54) ، وهذا لا نعلمه ينسند لرسول الله صلى الله عليه وسلم من و جه أصلا.. وهذا لو أتى من وجه صحيح لما كان لهم فيه متعلق لأنه إنما يكون إثبات إجماع المسلمين فقط لأنه لم يقل ما رآه بعض المسلمين حسنا فهو حسن وإنما فيه (ما رآه المسلمون ) فهذا هو الإجماع الذي لا يجوز خلافه، ثم يقال لهم ما معنى قولكم الاستحسان في هذه المسألة وجه كذا؟ فجوابهم في ذلك أ حد جوابين أحدهما: ما كانوا عليه فيما قارب عصر أبي حنيفة ومالك وهو الذي يرونه أحوط أو أخف أو أقرب من العادة والمعهود، أو أبعد من الشناعة، وهذا كله بالجملة راجع إلى ما طابت عليه أنفسهم وهذا باطل بقوله تعالى (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى* فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى) (55)، (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي). (56). (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) (57) ، وفي هذه الآية إبطال أن يتبع أحد ما استحسن بغير برهان(58). ويقول "أن العقول لا توجب شيئا ولا تقبحه ولا تحسنه وبرهان ذلك أن جميع أهل العقول إلا يسيرا فإنهم أصحاب شرائع وقد جاءت الشرائع بالقتل وأخذ المال وضرب الإنسان وذبح الحيوان فما قال قط أصحاب العقول أنها جاءت بخلاف ما في العقول وما ادعى ذلك إلا أقل الناس ومن ليس __________ (54) (55) النازعات :40 (56) يوسف:53 (57) سورة اقصص :50 (58) ابن حزم (علي بن أحمد بن سعيد)، دار الآفاق الجديدة، بيروت، بدون تاريخ، جـ6، ص16-19. [صفحة 43] عقله عيارا على عقل غيره ولو كان ذلك واجبا في العقول لوجده سائر أهل العقول كما قالوا هم سواء سواء, فصح أن دعواهم على العقول كاذبة في باب التقبيح والتحسين جملة"(59). ولا شك أن أول معصية حدثت بعد خلق آدم كان منشؤها استقباح عقلي، وذلك أن إبليس لما أمر بالسجود لآدم عليه السلام استقبح ذلك الأمر يقول ابن كثير (وقول إبليس لعنه الله (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ) (60) من العذر الذي هو أكبر من الذنب كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول يعني لعنه الله: وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلقه من نار والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف والتعظيم وهو أن الله تعالى خلق آ دم بيده ونفخ فيه من روحه وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص قوله تعالى (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (61) (62). فهذا الاستقباح جعل إبليس يُقدم القياس الذي حكم به على الله تعالى بأنه لا يخالفه على النص الصريح والله المستعان. قال أبو محمد "وقد علم المسلمون أن الله تعالى عدل لا يجور ولا يظلم ومن وصفه عز وجل بالظلم والجور فهو كافر ولكن ليس هذا على ما ظنه الجهال من أن عقولهم حاكمة على الله تعالى في أن لا يحسن منه إلا ما حسنت عقولهم وأنه يقبح منه تعالى ما قبحت عقولهم وهذا هو تشبيه مجرد لله تعالى بخلقه وإنما الحق هو أن كل ما فعله الله عز وجل أي شيء كان فهو منه عز وجل __________ (59) ابن حزم (علي بن أحمد بن سعيد)، الفصل في الملل والأهواء والنحل، مكتبة الخانجي، القاهرة، بدون تاريخ، جـ5، ص80. (60) سورة الأعراف :12 . (61) سورة الحجر :29 . (62) الوصف المناسب لشرع الحكم، مرجع سابق، ص36. [صفحة 44] حق وعدل وحكمة وإن كان بعض ذلك منا جورا وسفها، وكل ما لم يفعله الله عز وجل فهو الظلم والباطل والعبث والتفاوت،..... وانتم مقرون بأن الله تعالى لم يزل واحداً وحدة ليس معه خلق أصلا ولا شيء موجود لا جسم ولا عرض ولا جوهر فلا عقل ولا معقول ولا سفه ولا غير ذلك ثم أقررتم بلا خلاف منكم أنه خلق النفوس وأحدثها بعد أن لم تكن وخلق لها العقول وركبها في النفوس بعد أن لم تكن العقول البتة (فوجب) (63)(*) أن لا تحدثو على الباري تعالى حكما لازما له من قبل بعض خلقه.. فإن قالوا لم يزل القبيح قبيحا في علم الله عز وجل ولم يزل الحسن حسنا في علمه تعالى, قلنا لهم هبكم أن هذا كما قلتم فعليكم في هذا حكمان مبطلان لقولكم الفاسد أحدهما أنكم جعلتم الحكم في ذلك لما في المعقول لا لما سبق في علم الله عز وجل فلم تجعلوا المنع من فعل ما هو قبيح عندكم إلا لأن العقول تقبحه. ثم "ما دليلكم على هذا بل لعله تعالى لم يزل عليما بأن أمر كذا يكون حسنا بُرهة من الدهر ثم يقبحه فيصير قبيحا إذا قبحه لا قبل ذلك كما فعل تعالى بجميع الملل المنسوخة. ويقال لهم أيضا أخبرونا من حسن الحسن في العقول ومن قبح القبح في العقول فإن قالوا:الله عز وجل , قلنا لهم: أفكان الله تعالى قادر على عكس تلك الرتبة إذ رتبها على أن يرتبها بخلاف ما رتبها عليه فيحسن فيها القبيح ويقبح فيها الحسن فإن قالوا نعم أوجبوا أنه لم يقبح شيء إلا بعد أن حكم الله تعالى بقبحه ولم يحسن شيء إلا بعد أن حكم الله تعالى بحسنه.. وإن قالوا لا يوصف تعالى بالقدرة على ذلك عجزوا ربهم... وإما أن يكون تعالى أوجب ذلك على نفسه بعد أن لم يزل غير موجب له على نفسه فإن قال بهذا قيل له فقد كان غير وا جب عليه حتى أوجبه فإذ هو كذلك __________ (63) (*) ساقطة من الأصل. [صفحة 45] فقد كان مباحا له سائر ما ذكرت أنه أوجبه على نفسه وإذا أوجب ذلك على نفسه بعد أن لم يكن واجبا عليه فممكن أن يسقط ذلك الوجوب عن نفسه، وبهذا يلوح بطلان ما يتأولونه في قول الله تعالى (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ) (64) وقوله تعالى (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (65) وإن كل هذا إنما هو أن الله تعالى قضى بذلك وجعله حتما و اجبا وكونه حقا فوجب ذلك منه تعالى لا عليه فأبدلت (مِن) من (عَلى) وحروف الجر يبدل بعضها بعضا) (66). أنواع القبح التي قالوها والرد عليها: "قالوا: ومن القبيح على كل حال أن تفعل بغيرك مالا تريد أن يفعل بك، وتكليف ما لا يطاق ثم التعذيب عليه, قال أبو محمد وظن هؤلاء المبطلون إذ أتوا بهذه الحماقة أنهم أغربوا وقرطسوا وهم بالحقيقة قد هذوا و هدروا، وهذا عين الخطأ وإنما قبح بعض هذا النوع إذ قبحه الله عز وجل وحسن بعضه إذ حسنه الله عز وجل،والعجب من مباهتتهم في دعواهم أن المحاباة فيما بيننا ظلم ولا ندري في أي شريعة أم في أي عقل وجدوا أن المحاباة ظلم، وأن الله تعالى قد أباحها إلا حيث شاء وذلك أن للرجل أن ينكح امرأتين وثلاثا وأربعا من الزوجات وذلك له مباح حسن... ولا يحل للمرأة أن تنكح غير واحد ولا يكون عبدها، وهذا منه حسن وبالضرورة ندري أن في قلوبهن من الغيرة كما في قلوبنا، و كذلك وجدنا الله تعالى قد أعطى الابن الأكبر من الميراث حظين وإن كان غنيا مكتسبا وأعطى البنت حظا واحدا وإن كانت صغيرة فقيرة, فبطل قول المعتزلة وصح أن لله تعالى يحابي __________ (64) سورة الروم :47 . (65) سورة الأنعام :53 . (66) ابن حزم (علي بن أحمد بن سعيد)، الفصل في الملل والأهواء والنحل، مكتبة الخانجي، القاهرة، بدون تاريخ، جـ3، ص8059. [صفحة 46] من يشاء ويمنع من شاء وإن هذا هو العدل، وأما تكليف مالا يطاق و التعذيب عليه فإنما قبح ذلك فيما بيننا لأن لله تعالى حرم ذلك علينا فقط(67). ويدل على ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله ما رواه الأمام أحمد عن مجاهد قال: دخلت على ابن عباس فقلت يا أبا العباس كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى قال: أية آية قلت (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ) (68) قال ابن عباس: إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غما شديدا وغاظتهم غيظا شديدا، يعني وقالوا: يا رسول الله، هلكنا، وإن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل, فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا سمعنا وأطعنا قال: فنسختها هذه الآية (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) (69)، إلى (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال"(70). وفي الحديث التكليف بما لا يستطاع الذي هو عين القبيح عند هؤلاء، ولم يقل الصحابة رضوان الله عليهم سمعنا وعصينا بل قالوا سمعنا وأطعنا وإن خالف التكليف ما يظنه هؤلاء انه مقتضى العقل ,وهذا الحديث يدفع كل حجة احتج بها من قدم المصلحة على النص وحكم بعقله على __________ (67) السابق، جـ3، ص61. (68) سورة البقرة :284 . . (69) سورة البقرة، الآية 285. (70) ابن حنبل (أحمد بن محمد الشيباني)، (المسند، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ- 2001م، حديث رقم (3070) قال محققه إسناه صحيح على شرط الشيخين. [صفحة 47] نصوص الشرع. "وقال بعض المعتزلة أن من القبيح بكل حال والمحظور بل وجه كفر نعمة المنعم وعقوق الأب قال أبو محمد: وهذا غاية الخطأ لأن العاقل المميز بالأمور إذا تدبر علم يقينا أنه لا منعم على أحد إلا الله وحده لا شريك له، ولا يجب شكر منعم إلا بعد أن يوجب الله تعالى شكره، وقد يرضع الصغير شاة فلا يجب له عليه حق لأن الله تعالى لم يجعله لها وجعله للأبوين وإن كانا كافرين مجنونين ولم يتوليا تربيتنا بل اشتغلا عنا بلذاتهما ليس ههنا إلا أمر الله تعالى فقط, وبرهان آخر أن امرءا لوزني بامرأة عالما بتحريم ذلك أو غير عالم إلا أنه ممن لا يلحق به الولد المخلوق من نطفته النازلة من ذلك الوطء فإن بره لا يلزم ذلك الولد أصلا ولا فرق في المعقول وفي الولادة تولد الجنين من نطفة الواطئ لأمه بين أولادنا الزنا وأولاد الرشدة"(71). "وقال بعضهم الكذب قبيح على كل حال قال أبو محمد وهذا كالأول وقد أجمعوا معنا على بطلان هذا القول وعلى تحسين الكذب في مواضع خمسة إذ حسنه الله تعالى وذلك نحو إنسان مسلم مستتر من إمام ظالم يظلمه ويطلبه فسأل ذلك الظالم هذا الذي استتر عنده المطلوب.. فلا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه إن صدقه ودله على موضعه وعلى ماله فإنه عاص لله عز وجل فاسق ظالم، فاعل فعلا قبيحا وأنه لو كذبه وقال لا أ دري مكانه ولا مكان ماله فإن مأجور محسن فإنه مأجور محسن. ثم أشار ابن حزم إلى حديث أم كلثوم بنت عقبة قالت: ما سمعت ر سول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا أعده كاذبا، __________ (71) الملل والنحل، المرجع السابق، جـ3، ص62. [صفحة 48] الرجل يصلح بين الناس يقول القول ولا يريد به إلا الأصلح والرجل يقول في الحرب وا لرحل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها"(72). "وقال بعضهم: الظلم قبيح، قال أبو محمد وهذا كالأول ونسألهم ما معنى الظلم فلا يجدون إلا أن يقولوا أنه قتل الناس وأخذوا أموالهم وأذاهم وقتل المرء نفسه أو التشويه بهاا أو إباحة حرمه للناس ينكحوهن، وكل هذا فليس شيء منه قبيحا لعينه وقد أباح الله عز وجل أخذ أموال قوم بخراسان من أجل بن عمهم قتل بالأندلس رجلا خطأ ووجدناه تعالى قد أباح دم من زني وهو محصن ولم يطأ امرأة قط إلا زوجة له عجوزا (شوهاء) سوداء وطئها مرة ثم ماتت ولا يجد من أين ينكح ولا من أن يتسرى و هو شاب محتاج إلى النساء وحرم دم شيخ زنى وله مائة جارية كالنجوم حسنا إلا أنه لم يكن له قط زوجة، وأما قتل المرءُ نفسه فقد حسن الله تعالى تعريض المرء نفسه للقتل في سبيل الله عز وجل, وصدمة الجموع التي يوقن أنه مقتول في فعلة ذلك وقد أمر عز وجل من قبلنا بقتل نفسه قال تعالى (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ) (73), وأما التشويه بالنفس فإن الختان والإحرام والركوع والسجود لولا أمر الله تعالى بذلك وتحسينه أياه لكان لا معنى له"(74). وقال في النكاح "أما شاهدوا إنكاح الرجل بناتهم من رجال ثم يُطلق الرجل منهم المرأة فمن الآخر ثم آخر، هكذا ما أمكنهم، وكذلك إن مات عنها ,فأي فرق في العقول بين إباحة وطئها بلفظ __________ (72) أبو داود (سليمان بن الأشعث السجستاني)، سنن أبي داود، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، حديث رقم (4921) قال محققه الألباني: صحيح. (73) سورة البقرة :54 . (74) الفصل في الملل والأهواء والنحل، مرجع سابق، جـ3، ص203-204. [صفحة 49] (زوجتك أو أنكحتك) وبين حظر وطئها بالإطلاق عليه بلفظة (قم فطأها)" (75). ومما سبق يتضح أنه سبحانه وتعالى يحكم ما يشاء، وأنه تعالى لم يترك الأمر لأهواء البشر ولا ما يستحسونه فبطل قول من قال إن مقصد الله سبحانه وتعالى هو ما يراه عباده مصلحة، وبطل قول من قال أن ما يراه العباد مصلحة يُقدم على النصوص الثابتة من الكتاب والسنة وتبين أنهم لم يأتوا بدليل على قولهم، وأن كل الأدلة ترجع الحكم إلى الله تعالى وحده الذي قال (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (76) فصح بذلك أن كل من قال: أنا أعلم بالمصلحة فهو كاذب وبالله تعالى التوفيق. أدلة الطوفي فيما ذهب إليه من تقديم المصلحة على النص والإجماع تقدم أن الطوفي يرى أن المصلحة دليل شرعي مستقل عن النصوص الشرعية فهي في نظره لا تحتاج إلى شهادة أصل لها بالاعتبار وإنما تعتمد على حكم العقل أخذا من العادات والتجارب. يقول الطوفي "ولا يقال أن الشرع أعلم بمصالحهم فلتأخذ من أدلته لأن هذا إنما يقال في العبادات التي تخفي مصالحها عن مجاري العقول والعادات، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل فإذا رأينا دليل الشرع متقاعدا عن إفادتها علمنا أنا أحلنا في تحصيلها على رعايتها"(77). ومن هنا يظهر اختلاف الطوفي عن الطريق الثالث وهو المالكية الذي قالوا باعتبار المصلحة __________ (75) الفصل في الملل الأهواء و النحل، مرجع سابق، جـ3، ص203-204. (76) البقرة :216 . (77) الشنقيطي (أحمد بن محمود بن عبد الوهاب، الوصف المناسب لشرع الحكم، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط1، 1415هـ، ص(349-350). [صفحة 50] دليلا شرعيا قطعيا ترد النصوص الظنية لأجلها لأن القائلين بذك صرحوا بأنها لا تعتبر إلا إذا شهدت لها نصوص الشرع بالاعتبار، وذلك بملاءمتها لتصرفات الشرع في الجملة. أما الطوفي فقد قال أنه إذا خالفت المصلحة النص والإجماع وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما ولو لم يكن الشرع شهد لجنس هذه المصلحة وذلك بتخصيص المصلحة للنص والإجماع والبيان لهما لا بطريق الافتئات عليهما والتعطيل لهما(78). ونظرا لخطورة هذا الرأي وانتشاره الآن من أصحاب التيار اللبرالي والعلماني وإرادتهم به الكر على أحكام الشريعة الإسلامية وإرجاعها في آخر الأمر إلى ما تستحسنه عقولهم ورد ما لا تستحسنه عقولهم منها واستعانتهم مع ذلك للأسف ببعض من ينتسب إلى العلم الشرعي فأحب الباحث التوقف عند هذه النقطة وتفنيد أدلتها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. __________ (78) المرجع السابق، جـ1، ص350. [صفحة 51] المبحث الثاني أدلة القائلين بمقصد المصلحة وتفنيدها تمهيد [صفحة 52] أحاول فى هذا المبحث تسليط الضوء على ادلة القائلين بان الله سبحانه وتعالى انما مقصده من التشريع هو ما يعتقده المرء مصلحة ومحاولة تفنيدها بحول الله وبيان عوارها . أدلة القائلين بمقصد المصلحة والرد عليها: أولاً: "إن الله عز وجل جعل لنا طريقا إلى معرفة مصالحنا عادة فلا نتركه لأمر مبهم (يعني النصوص الشرعية) يحتمل أن يكون طريقا للمصلحة أولا يكون, ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالحهم فتؤخذ من أدلته.. لأن هذا إنما يقال في العبادات التي تخفي مصالحها عن مجاري العقول والعادات أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادات والعقل"(79). (الرد) أن الله تعالى لم يجعل لنا طريقا إلى معرفة مصالحنا إلا من جهته, وذلك للأدلة الآتية: 1- يقول الله تعالى (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) (80). 2- ويقول تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) (81). 3- ويقول تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) (82) . 4- ويقول صلى الله عليه وسلم ناقلا عن ربه سبحانه وتعالى: (يا عبادي كلكم ضالٌ إلا من هديته __________ (79) السابق، جـ1، ص349، 390. (80) سورة القصص، آية: 50. (81) سورة المؤمنون آية: 71. (82) سورة الفرقان آية: 43. [صفحة 53] فاستهدوني أهدكم) (83). فأثبت الضلال في كل شيء إلا بعد هداية الله سبحانه وتعالى، وليس هناك مخصص لذلك وأثبت أن من اتبع هواه بغير هدى من الله هو أضل الضالين وأن الحق لا يتبع هوى أحد من الناس وهذه الآيات والحديث عامة فتخصيصها بدون مخصص تعسف وصرف لهذه النصوص عن ظواهرها، وقد كان كل مخالف للحق يعجبه علمه وعقله، فلو ترك الحق لأهواء هؤلاء لضاع الدين واندثر يقول الله تعالى (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ العِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (84). يقول الزمخشري "ومنها أن يريد علم الفلاسفة والدهريين من بني يونان, وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم وعن سقراط انه سمع بموسى صلوات الله عليه وسلامه وقيل له لو هاجرت اليه, فقال نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا"(85). وهذا هو نفس قول هذا الفريق لكنهم قصروه على المعاملات فقط أعني الطوفي ومن وافقه، واطرده العالمانيين والليبراليين في كل شيء، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثانياً: قوله صلى الله عليه وسمل "لا ضرر ولا ضرار"(86). قال الألباني بعد أن ساق طرق هذا الحديث وفيها طريق فيها عنعنة ابن إسحاق وطريق قال فيه مرسل صحيح "فهذه طرق كثيرة للحديث قد جاوزت العشر وهي وإن كانت ضعيفة مفراداتها فإن كثيرا منها لم يشتد ضعفها, فإذا __________ (83) صحيح مسلم، مرجع سابق، حديث رقم 2577. (84) سورة غافر الآية 83. (85) الزمخشري (محمود بن عمرو بن أحمد), الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1907، جـ4، ص182. (86) الألباني (محمد ناصر الدين)، رواه الخليل في تخريج أحاديث منار السبيل، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1405هـ-1985م، جـ3، ص413. [صفحة 54] ضم بعضها إلى بعض تقوى الحديث بها وارتقى وارتقى إلى درجة الصحيح إن شاء الله. ومن هذا الحديث أراد هؤلاء أن يقولوا أن كل ما فيه مشقة فهو ضرر، وأن كل ضرر قد أمر صلى الله عليه وسلم بإزالته، وكل ضرر بالتالي هو ضد المصلحة، فكل نص ورد ترتب على تطبيقه مشقة، وبالتالي ضرر، يجب إزالته لهذا الحديث . (الرد على ذلك): أنه ليس كل ضررا ومشقة تصيب العبد يرتفع بها التكليف ويترك لأجلها النص. يقول الشاطبي (:المسئلة الحادية عشرة: حيث تكون المشقة الواقعة بالمكلف خارجة عن معتاد المشقات في الأعمال العادية حتى يحصل بها فساد ديني أو دنيوي فمقصود الشارع فيها الرفع على الجملة، وعلى ذلك دلت الأدلة المتقدمة، ولذلك شرعت فيها الرخص مطلقاً، وأما إذا لم تكن خارجة عن المعتاد، وإنما وقعت على نحو ما تقع المشقة في مثلها من الأعمال العادية فالشارع وإن لم يقصد وقوعها فليس بقاصد لرفعها أيضا، والدليل على ذلك أنه لو كان قاصدا لرفعها لم يمكن بقاء التكليف معها، لأن كل عمل عادي أو غير عادي يستلزم تعبا وتكليفا،......, فإذا اقتضى الشرع رفع ذلك التعب كان ذلك اقتضاء لرفع العمل المكلف به أصلاً، وذلك غير صحيح، فكان ما يستلزمه غير صحيح"(87). ومن هذا تبين أن ترك النص لأجل الضرر أو المشقة هكذا مطلقا هو ترك للشريعة جملة وبالله تعالى التوفيق وسيأتي إن شاء الله مزيد شرح لهذه القاعدة عند الكلام على مسألة الضرورة. ثالثاً: أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح فهي إذا محل وفاق والإجماع محل خلاف والتمسك بما اتفق عليه (وهو المصلحة) أولى من التمسك بما اختلف فيه (وهو الإجماع على المسألة التي __________ (87) الشاطبي(ابراهيم بن موسى بن محمد),الموافقات,دار بن عفان ,الطبعة الاولى,1417ه_1997م,الجزء الثاني, ص 269. [صفحة 55] تخالف المصلحة في نظره(88). (الرد) أولاً: من نسب إليه إنكار الإجماع قد يقصد به: إنكار امكانية تحقق الإجماع لعسرة ولو فرض أنه تحقق فإنه حجة وهذا ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله حيث قصر الإجماع على ما عُلم من دين الإسلام بالضرورة فقط المنقول بالتواتر(89). وأيضا إجماع الصحابة الثابت(90) ، ومذهب ابن حزم في إنكاره القول بالاستحسان في الدين قد سبق، وهو أنه لا يرد النص لرأي ولا استحسان ولا لقول أحد، وهو أحد الروايات عند الإمام أحمد إذا كان يقول: من ادعى الإجماع فهو كذاب لعل الناس قد اختلفوا"(91). فلم ينقل عن أحمد أحد القول بما يقوله الطوفي . ثانيا: من نسب إليه إنكار الإجماع أي حجيته وإن ثبت فقد تجتمع الأدلة على ضلالة عند القائل بهذا الرأي، وهو النظام(92). أما النظام فلسنا ندري من أين للطوفي أنه يقول برعاية المصالح، إذ كان قليل الإيمان بالقياس والرأي وواضح أن رعاية المصلحة تعتمد- قبل كل شيء- على القياس والرأي فكيف إذاً كان يقول بها. وهذا الكلام من الطوفي يتناقض إذ أنه جعل الإجماع بزعمه حجة في إثبات الملصلحة مع العلم أنه لا إجماع كما سبق ثم جعل المصلحة حجة في إبطال الإجماع على مسألة معينة إذا كان يخالف __________ (88) انظر الوصف المناسب، مرجع سابق، ص352. (89) انظر الأحكام في أصول الأحكام، مرجع سابق، جـ4، ص142. (90) السابق جـ4، ص150. (91) السابق، جـ4، ص188. (92) هو إبراهيم بن يسار بن هاني البصري الملقب بالنظام قيل لنظم كلامه وقيل لنظمه الشعر أحد الأئمة المعتزلة ومذهبه خليط من اراء المعتزلة والفلاسفة والمانوية المجوس ولد سنة 185هـ و ما ت سنة 231 ه. [صفحة 56] المصلحة من وجهة نظره، فجعل الإجماع حجة في إثبات الأصل، غير حجة في إثبات الفرع، ولا حول ولا قوة إلا بالله. رابعاً: قال: إن النصوص مختلفة متعارضة فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعا، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه. (الرد): إن كان يريد أن التعارض في أصل النصوص فإنه يرده قول الله تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (93) ، (وإن كان يريد التعارض الظاهري فهذا أمر وارد وقد أمرنا عند وجود التعارض والخلاف إلى الرد إلى نصوص الكتاب و السنة وليس إلى ما رآه كل واحد مصلحة. قال تعالى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (94) ، وقال (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (95). فالرد إلى الشيء الواحد هو الذي يرفع الخلاف وليس الرد إلى كل ما ظنه أحدهم مصلحة فهذا كما نقلنا من قبل عن ابن حزم هو سبب الخلاف(96). خامسا: استدل الطوفي على مراده بالحديث الآتي، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم عليه السلام فقلت يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم عليه السلام قال لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت".(97) متفق عليه. قال: وهو يدل على أن بناءها على قواعد إبراهيم الواجب في حكمها وتركها لمصلحة الناس(98). __________ (93) سورة النساء الآية: 82. (94) سورة الشورى الآية: 10. (95) سورة النساء الآية: 59. (96) انظر الأحكام في أصول الأحكام، مرجع سابق، جـ6، ص16-19. (97) النسائي (أحمد بن شعيب بن علي) السنن الصغرى، المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 140-1986، حديث رقم (2900). (98) الوصف المناسب، مرجع سابق. (4)البخاري,الصحيح,مرجع سابق, حديث رقم 1481. [صفحة 57] (الرد) : لا أدري ما مصلحة الناس أن يرتفع باب الكعبة ليكون مانعا من دخول احد الا من شاءوا بل أن مصلحتهم في لصق الباب بالأرض، وكذلك مصلحتهم في إدخال الحجر إلى الكعبة حتى لا يحدث التباس أثناء الطواف فتكون الكعبة بناءا واحدا داخلا فيه الحجر بدلا من أن يطوف بعضهم من داخل الحجر فيبطل طوافه فلا مصلحة بتعريف الطوفي في بقاء الكعبة على ما هي عليه في نظر الناس.ففي الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ قَالَ إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ قُلْتُ فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا قَالَ فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ " (4). ثانياً:لم يقل أحد ولم يُنقل أن بناء الكعبة على قواعد إبراهيم كان أمرا واجبا حتى نقول أن هنا الواجب تعارض مع مفسدة إنكار الناس فترك الواجب لهذه المفسدة وإلا فقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء كثيرة كانت تخالف أعراف أهل الجاهلية في الحج والعمرة وغيرها، ولم يتركها خشية إنكار الناس، وليس في الحديث تعارض واجب مع مستحب. ومن الأمور التي فعلها صلى الله عليه وسلم مخالفة لما قد ينكره الناس منها ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من الفجور في الأرض وكانوا يسمون المحرم صفرا قال (فقدم رسول الله عليه وسلم وأصحابه مهلين بالحج، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوها عمرة" قالوا يا رسول الله أي الحل قال: الحلُ كله"(99). __________ (99) صحيح البخاري، مرجع سابق، حديث رقم (3832). [صفحة 58] ومنها ما رواه البخاري أيضا عن عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر رضي الله عنه صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال: "إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس"(100). وكذلك ترك صلى الله عليه وسلم هوى قومه للحق في زواجه من زوجة ابنه بالنبي وقال له تعالى (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) (101). فخشية الناس لا تمنع من القول بالحق الواجب إلا إذا خُشي مفسدة أكبر من تلك المفسدة ومما يدل على أن ذلك لم يكن أمرا واجبا ما رواه ابن عبد البر أنه بعد بناء ابن الزبير الكعبة على قواعد إبراهيم هدمها الحجاج فبناها على ما كانت أيام النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن "هارون الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بني الحجاج من الكعبة وأن يرده إلى بنيان بن الزبير لما جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وامتثله ابن الزبير فقال له مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحدٌ منهم إلا نقض البيت وبناه فتذهب هيبته من الصدور"(102). فلو كان مالك يراه واجبا ما تركه , إذن الدليل ليس محلا لاستدلال الطوفي كما أنه لا يجوز ترك الواجب إلا لضرورة كما سيأتي إن شاء الله والضرورة تقدر بقدرها ولا يترك الحكم الواجب لكل ما يرى الناس أنه مصلحة. ثانياً: أن تركه صلى الله عليه وسلم لهذا الفعل وإقراره البيت على ما كان هو نص أيضا لأن إقراره __________ (100) المرجع السابق، حديث رقم (1664). (101) سورة الأحزاب آية: 37. (102) ابن عبد البر (يوسف ابن عبد الله بن محمد)، الاستذكار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1421-2000، جـ4، ص188. [صفحة 59] صلى الله عليه وسلم تشريع فهو معارضة تشريع بتشريع _إن صح كونه معارضة- لا معارضة تشريع بمصلحة، فالشرع إذا جاء بحكم للتخفيف على الناس فلا نترك نحن الأحكام ونأتي بأحكام جديددة للتخفيف على الناس من عند أنفسنا، فنحن لسنا مشرعون وإن شريعة الله سبحانه وتعالى كلها تخفيف و مصلحة كما قال تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ) (103). سادسا: استدلو بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة مخالفتهم لأمره بالصلاة في بني قريظة لأنه أدرك بعضهم العصر في الطريق "وقالوا): بل نصلي ولم يرد ذلك منا )فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم"(104). قالوا وهنا ترك الصحابة النص للمصلحة ويدل على جواز استنباط مقصد جزئي وجواز إدارة الحكم العملي في هذا المقصد المستنبط وإن خالف دلالة الظاهر(105). (الرد):لا أدري أي مصلحة تلك التي ظنوا أن الصحابة تركوا النص من أجلها فإنه ليس في الحديث إلا أنهم فهموا أنه صلى الله عليه وسلم ما أراد إلا الإسراع وخافوا فوت الوقت، فصلوا في الطريق. يقول النووي رحمه الله "وأما اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في المبادرة بالصلاة عند ثقيف وقتها، وتأخيرها فسببه أن أدلة الشرع تعارضت عندهم بأن الصلاة مأمور بها في الوقت، مع أن المفهوم من قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلين أحد الظهر أو العصر إلا في بني قريظة العبادة بالذهاب إليهم وأن لا يشتغل عنه بشيء لا أن تأخير الصلاة مقصود في نفسه من حيث أنه تأخير، فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم نظرا إلى المعنى لا إلى اللفظ فصلوا حين فوت الوقت __________ (103) سورة البقرة، آية: 185. (104) صحيح البخاري، مرجع سابق، حديث رقم (946). (105) انظر عودة (جاسر)، مدخل مقاصدي للاجتهاد، مطبوعات الجامعة الأمريكية المفتوحة، بدون تاريخ، ص53. [صفحة 60] وأخذ آخرون بظاهر اللفظ وحقيقته"(106). والقول بأنه صلى الله عليه وسلم أقرهم فهذا ليس في الحديث في شيء بل ليس فيه إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يعنفهم وترك التعنيف شيء والإقرار شيء آخر فالمصيب واحد كما هو مقرر وأحدهما مصيب ولا شك فقد يكون النبي ترك التعنيف لكن بين الصواب. يقول النووي "وقد يستدل بل على أن كل مجتهد مصيب، وللقائل الآخر ان يقول: لم يصرح بإصابة الطائفتين بل ترك تعنيفهم ولا خلاف في ترك تعنيف المجتهد وإن أخطأ إذا بذل وسعه في الاجتهاد والله أعلم"(107). إذن لا دليل في الحديث على ترك النص للمصلحة، ولا دليل على إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لذلك والله أعلم وبالله تعالى التوفيق. سابعا:استدلوا بعدم قتل النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن ابي ابن سلول للمصلحة مع انه كافر ,فدل ذلك على جواز ترك الحديث للمصلحة (الرد) الظاهر ان عبد الله بن أبي بن سلول كان منافقا باطنا, ولم يظهر للنبي صلى الله عليه وسلم بشهادة من تصح شهادته ردته لاقامة الحد عليه, وحديث نقل زيد بن أرقم انه قال ليخرجن الاعز منها الاذل إنما ثبت بشهادة واحد لا يثبت به حد الردة , فاذا كان ذلك كذلك فنحن مأمورون باجراء الاحكام على الظاهر والله يتولى السرائر. يقول ابن حزم رحمه الله :"وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» __________ (106) النووي (يحي بن شرف) شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط2، 1392، جـ12، ص98. (107) النووي، السابق, نفس الصفحة. [صفحة 61] بَيَانٌ جَلِيٌّ بِظَاهِرِ لَفْظِهِ، مَقْطُوعٌ عَلَى غَيْبَةٍ بِصِحَّةِ بَاطِنٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بِظَاهِرِ إسْلَامِهِ، وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَهُمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، وَاَلَّذِينَ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى دِمَاءَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا؟ وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ لَوْ حَلَّ دَمُ ابْنِ أُبَيٍّ لَمَا حَابَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ لَمَا ضَيَّعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؟ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَقْتُلُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ، لِنِسْبَتِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَاطِلَ، وَمُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاَللَّهِ: لَقَدْ قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ الْفُضَلَاءَ الْمَقْطُوعَ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالْجَنَّةِ، إذْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ، كَمَاعِزٍ، وَالْغَامِدِيَّةِ، وَالْجُهَيْنِيَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُتَيَقَّنِ، وَالضَّلَالِ الْبَحْتِ، وَالْفُسُوقِ الْمُجَرَّدِ: بَلْ مِنْ الْكُفْرِ الصَّرِيحِ: أَنْ يَعْتَقِدَ، أَوْ يَظُنَّ - مَنْ هُوَ مُسْلِمٌ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يَقْتُلُ مُسْلِمِينَ فَاضِلِينَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَشْنَعَ قِتْلَةً بِالْحِجَارَةِ، وَيَقْتُلُ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْد الْأَنْصَارِيَّ قِصَاصًا بِالْمُجَدَّرِ بْنِ خِيَارٍ الْبَلَوِيِّ بِعِلْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دُونَ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَالْمَرْأَةَ الَّتِي أَمَرَ أُنَيْسًا بِرَجْمِهَا، إنْ اعْتَرَفَتْ. وَبِقَطْعِ يَدِ الْمَخْزُومِيَّةِ - وَيَقُولُ «لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» . وَبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا أَصَابَ الضَّعِيفُ مِنْهُمْ الْحَدَّ أَقَامُوهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَصَابَهُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ» . ثُمَّ يَفْعَلُ هُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَلِكَ، وَيُعَطِّلُ إقَامَةَ الْحَقِّ الْوَاجِبِ فِي قَتْلِ الْمُرْتَدِّ عَلَى كَافِرٍ يَدْرِي أَنَّهُ ارْتَدَّ الْآنَ، ثُمَّ لَا يَقْنَعُ بِهَذَا حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَغْفِرَ لَهُ - وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ كَافِرٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَهْيُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكُفَّارِ. وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ مَنْ دَانَ بِهَذَا وَاعْتَقَدَهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ، مُشْرِكٌ، مُرْتَدٌّ، حَلَالُ الدَّمِ وَالْمَالِ - نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ وَمِنْ وِلَايَتِهِ - مَنْ يَظُنُّ بِهِ النِّفَاقَ بِلَا خِلَافٍ، فَالْأَمْرُ فِيمَنْ دُونَهُ بِلَا [صفحة 62] شَكٍّ أَخْفَى - فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، وَصَحَّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ أَنْ كَفَرَ هُوَ وَمَنْ سَاعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ وَالْإِسْلَامَ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمْ بَاطِنَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ؟ أَمْ عَلَى مَا أَظْهَرُوا مِنْ التَّوْبَةِ؟ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِيمٌ بِذَلِكَ، وَهُوَ بِلَا شَكٍّ الْمُجَازِي عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَة"ِ(108). سابعا: استدلوا بأفعال الصحابة رضي الله عنهم وهناك مسألة قول الصحابي هل هو حجة أم لا وقد لخصها الرازي بقوله "المسألة الرابعة، الحق أن قول الصحابي ليس بحجة، وقال قوم إنه حجة مطلقا ومنهم من فصل وذكروا وجوهاً : (أحدها) أنه حجة إن خالف القياس. (ثانيهما) أن قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حجة فقط. و(ثالثها) أن قول الخلفاء الأربعة حجة.ولنا النص والإجماع وا لقياس أما النص فقوله تعالى (فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ) الحشر :2. وذلك ينافي جواز التقليد، وأما الإجماع فهو أن الصحابة أجمعوا على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما، ولا كل واحد منهما على صاحبه فيما فيه اختلفا، وأما القياس فهو أنه متمكن من إدراك الحكم بطريقة فوجب أن يحرم عليه التقليد كما في الأصول"(109). زاد الشوكاني في أدلة منكري حجية قول الصحابي فقال "والحق أنه ليس بحجة فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، وليس لنا إلا رسول واحد وكتاب و احد، وجميع هذه الأمة مأمورة باتباع كتابه وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة وبين من __________ (108) ابن حزم ,المحلى ,مرجع سابق , (109) الرازي (محمد بن عمر بن الحسن)، المحصول، مؤسسة الرسالة، ط3، 1418هـ-1997م، جـ6، ص130. [صفحة 63] بعدهم في ذلك، فمن قال أنماتقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله وسنة رسوله، وما يرجع إليهما، فقد قال في دين الله بما لم يثبت، وأثبت في هذه الشريعة شرعا لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم" ونسب هذا المذهب للجمهور(110). وقد استدل أصحاب الرأي المخالف عموما بعدة أدلة توهم الإحتجاج بقول الصحابي, أو فعله، هذا والقائلين بهذا الرأي يرون أن العمل على قول الصحابي هنا يعمل به في عين المسألة التي خالفت ظاهر النص لأنه أخبر بمراد النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الظاهر(111). لكن الملاحظ أن القائلين بموضوع تقديم المصلحة على النص يرون أنهم أولا يعللون فعل الصحابي أو قوله بأنه فعل ذلك فقط لمحض المصلحة، وهذا لم يقله ولم يتفوه به أي صحابي أنه خالف النص في فعله ذلك لأنه يراه أرفق بالناس، أو لأن ما يراه مصلحة يخالف النص. فهؤلاء استنبطوا علة لفعل الصحابي، أو قوله، ثم احتجوا بهذه العلة المستنبطة فطردوها في جميع فروع الشريعة ,سبحان ربي العظيم، كيف وقول الصحابي وفعله نفسه الجمهور على أنه ليس حجة, فكيف بالاستدلال بما هو مظنون أنه فعل هذا الفعل لأجله ,فهذا مظنون من مظنون وإن الظن لا يغني من الحق شيئا. أدلة المحتجين بأقوال و أفعال الصحابة: أولاً: ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "أصحابي كالنجوم بأيهما اقتديتم اهتديتم" قال __________ (110) الشوكاني (محمد بن علي) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، دار الكتاب العربي، ط1 1319-1999، جـ2، ص182-188. (111) المرجع السابق، جـ1، ص162. [صفحة 64] ابن حزم "وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب"(112).قال الشوكاني "فهذا لم يثبت قط"(113). قال الألباني "موضوع"(114). ثانيا: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"(115)(*) رواه أبو داود. قال الألباني والترمذي قال "حديث حسن صحيح، وقال العمروي وهذا من أجود حديث أهل الشام، وقال البزار: حديث ثابت صحيح، وقال الحاكم صحيح ليس له علة"(116). (الرد): أولا: أ، الصحابة أنفسهم لم يفهموا من هذا الحديث وجوب اتباع سنن الخلفاء الأربعة وإن خالفت النص. قال الرازي "أجمعوا على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما، و لا كل واحد منهما على صاحبه فيما فيه اختلفا"(117). إذن نقول من أراد أن يتبع سنة الخلفاء التي أجمعوا عليها فلا ينكر على من خالف سنتهم وطريقتهم لظهور النص عنده بخلافه, بل أكثر من ذلك فالأربعة متفقون على تقديم النص على قول أي واحد منهم، فاتباع سنتهم جميعا هي تقديم النص على قول كل أحد منهم و يتضح ذلك من __________ (112) الإحام في أصول الأحكام، مرجع سابق، جـ5، ص64. (113) إرشاد الفحول، مرجع سابق، جـ2، ص188. (114) الألباني (محمد ناصر الدين)، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة، دار المعارف، الرياض، طـ1، 1412هـ-1992م، جـ1، ص144. (115) (*) سنن أبي داود، مرجع سابق، حديث رقم (4607). (116) الالباني , ارواء الغليل , مرجع سابق، جـ8، ص108. (117) الرازي ,المحصول، مرجع سابق، جـ5، ص130. [صفحة 65] الأمثلة الآتية. 1-مخالفة أبي بكر لعمر للنص: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر: يا أبا بكر، كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله , فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة و الزكاة فإن الزكاة حق المال"(118)، فهنا عارض عمر الخليفة بالنص واحتج عليه الخليفة بفهم النص أيضا ولو كانت معارضته لا تجوز ,ويقدم رأيه على النص , لأنكر عليه ذلك , فعلمنا أن سنة أبي بكر هي تقديم النص على قول عمر. 2- مخالفة امرأة لعمر للنص: بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليها أحد حتى عمر نفسه عندما نهى عن المغالاة في المهور فعارضته المرأة بالآية (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) (119)(120). ولوكان عمر لا يرى معارضة رأيه بالنص لأنكر عليها , بل رجع عمر إلى قولها, فعلمنا أن سنة عمر رضي الله عنه هي تقديم النص على قول الخلفاء الذي هو منهم. 3- معارضة علي لعثمان للنص. __________ (118) البخاري، مرجع سابق، 1399. (119) سورة النساء الآية: 20. (120) الغزالي (محمد بن محمد الطوسي)، المستصفى، دار الكتب العلمية، ط1، 1413هـ-1993م. [صفحة 66] عن سعيد ابن المسيب قال: اجتمع على وعثمان رضي الله عنهما بعسفان، فكان عثمان ينهي عن المتعة أو العمرة فقال علي "ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهي عنه؟ قال عثمان: دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعا"(121)، وزاد القاسم بن سلام "فقال عثمان: تراني أنهي الناس فتفعله: قال: لم أكن لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس"(122)، فعلمنا أن سنة علي هي تقديم النص على قول أو فعل الخلفاء، يقول الصنعاني "السادس : من أدلة المقلدين قالوا حديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي أبو بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد. الجواب: أن الاهتداء بهم اتباع الكتاب والسنة والقبول لما فيهما والدعاء إليهما وتحريم التقليد إذ لم يؤثر عنهم وقد صح عن ابن مسعود وهو ابن أم معبد النهي عن التقليد وقال: لا يكون الرجل إمعة لا بصيرة له، ثم من المعلوم أن أحداً منهم لم يكن يدع السنة بقول أي قائل، ثم إن سنة الخلفاء الراشدين وطريقتهم اتباع الكتاب والسنة فالأخذ بسنتهما اتباع السنة النبوية والقرآن"(123). ثالثاً: قالوا إن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا الوحي فهم أعلم بما شهدوا وقد جاء الثناء عليهم. (الرد): قال بن حزم (ليس وجوب الثناء عليهم بموجب أن يقلدوا إذ قد ذكر رسول الله صلى الله __________ (121) مسلم (بن الحجاج النيسابوري)، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ، حديث رقم 1223. (122) العدوي (أبو عبيد القاسم بن سلام)، الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز، مكتبة الرشد، الرياض 1418هـ، حديث رقم (338). (123) الصنعاني (محمد بن إسماعيل بن صلاح)، إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد، الدار السلفية، الكويت، ط1، 1405هـ، جـ1، ص166. [صفحة 67] عليه وسلم أن أبا بكر وعمرو هما أفضل رجالهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخطئا كما...، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة قال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس فنزل في ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ) (124) قال ابن الزبير فكان عمر بعد إذا حدث النبي صلى الله عليه وسلم بحديث حدثه كأخي السرار, قال أبو محمد فمن أخطأ فغير جائز أن يؤخذ بقوله بغير برهان يصححه، وأما قوله صلى الله عليه(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)فقد علمنا أنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر بما لا يقدر عليه ووجدنا الخلفاء الراشدين بعده صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا خلافا شديدا, فلا بد من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها: إما أن نأخذ بكل ما اختلفوا فيه وهذا مالا سبيل إليه ولا يقدر عليه, إذ فيه الشيء وضده، فبطل هذا الوجه ,أو يكون مباحا لنا أن نأخذ بأي ذلك شئنا وهذا خروج عن الإسلام لأنه يوجب أن يكون دين الله تعالى موكولا إلى اختيارنا, وأيضا فلو كان هذا لكنا إذا أخذنا بقول الواحد منهم فقد تركنا قول الآخر منهم ولابد من ذلك, فلسنا حينئذ متبعين لسنتهم، فقد حصلنا في خلاف الحديث المذكور. فلم يبق إلا الوجه الثالث وهو: أخذ ما أجمعوا عليه, وليس ذلك إلا فيما أجمع عليه سائر الصحابة رضوان الله عليهم معهم في تتبعهم سنن النبي صلى الله عليه وسلم والقول بها، وأيضا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم إذ أمر بإتباع سنن الخلفاء الراشدين لا يخلو ضرورة من أحد وجهين: إما أن يكون صلى الله عليه وسلم أباح أن يسنوا سننا غير سننه فهذا ما لا يقوله مسلم، ومن أجاز هذا فقد كفر وارتد وحل دمه وماله لأن الدين كله __________ (124) سورة الحجرات :2 . [صفحة 68] إما واجب وغير واجب وإما حرام وإما حلال لا قسم في الديانة غير هذه الأقسام أصلا فمن أ باح أن يكون للخلفاء الراشدين سنة لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يوجدوا فريضة لم يوجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يسقطوا فريضة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسقطها إلى أن مات، وكل هذه الوجوه من جوز منها شيئا فهو كافر مشرك بإجماع الأمة بلا خلاف, وبالله تعالى التوفيق, فهذا الوجه قد بطل ولله الحمد وإما أن يكون أراد باتباعهم في اقتدائهم بسنته صلى الله عليه وسلم ,فهكذا نقول ليس يحتمل هذا الحديث وجها غير هذا أصلا، ويقال لهم في احتجاجهم بما روى من الأمر بالتزام سنة الخلفاء الراشدين المهديين هذا حجة عليكم لأن سنة الخلفاء الراشدين المهديين كلهم بلا خلاف ألا يقلدوا أحدا وألا يقلد بعضهم بعضا، وأن يطلبوا سنن رسول الله حيث وجدوها فينصرفوا إليها ويعملوا بها"(125). رابعا: احتجوا بقول رسول الله (اقتدوا باللذين من بعدي، أبو بكر و عمر) (126) والجواب عليه هو الجواب على الإستدلال السابق. خامسا: استدلوا بحديث (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه). (127) "يقول به". (الرد): فالجواب على هذا الحديث أن المقصود بالحق هنا الحق المعهود لدى السامعين عندئذ في مسألة معينة ماضية, وذلك للتعبير بالفعل الماضي في الحديث, ويكون المعنى أن الله جعل الحق في __________ (125) ابن حزم,الأحكام في أصول الأحكام، مرجع سابق، جـ6، ص79. (126) الألباني (محمد ناصر الدين)، صحيح الجامع الصغير وزياداته، الكتب الإسلامي، بدون تاريخ، حديث رقم (1142) والحديث رواه الترمذي (3662)، وأحمد (23245). (127) رواه الترمذي (3682)، وأحمد (9213) وانظر. [صفحة 69] هذه المسألة على لسان عمر وقلبه، وليس المقصود بالحق هنا هو الحق المطلق فلا تكون (الـ) هنا للاستغراق ولكنها للعهد الذهني أي الحق المعهود لدى ولديكم في هذه المسألة المطروحة, أما زيادة (يقول به) في الحديث فقد ضعفها الألباني(128). فلا يحتج بها، ولعل المقصود الحق الذي جاء على لسانه في الحديث عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (129) ، وقلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن؟، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن (عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ) (130)، قالت فنزلت كذلك . ويدل على أن المقصود هو قضية معينة ما ثبت عنه رضي الله عنه من خطأه في عدة قضايا منها قوله في قصة الحديبية (فلم نعطِ الدنية في ديننا) (131) ثم رجوعه وقوله (فعلت لذلك أعمالا). قوله في المهور والمغالاة فيها ثم رجوعه وقوله (أصابت امرأة وأخطأ عمر) إنكاره على أبي بكر في قتال من قال لا إله إلا الله ثم قوله بعد ذلك (فوالله ما هو إلا أن قد __________ (128) المرجع السابق، حديث رقم (1736)، وقال الألباني: صحيح. (129) سورة البقرة الآية: 125. (130) سورة التحريم الآية :5. (131) الألباني (محمد ناصر الدين)، مشكاة المصابيح، المكتب الإسلامي، بيروت، ط3، 1985، حديث رقم (6043) وقال الألباني ضعيف، وقد رواها الهيثمي (علي بن أبي بكر) موارد الظمآن على زواند بن حبان، دار الكتب العلمية، دون تاريخ، حديث رقم (2185). [صفحة 70] شرح صدر أبي بكر رضي الله عنه فعلمت أنه الحق) (132). قوله (والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم"(133). ثم رجوعه عن ذلك. فتبين مما سبق أنه رضي الله عنه يخطأ كما يخطأ البشر فلا نترك قول المعصوم صلى الله عليه وسلم لقول من يجوز عليه الخطأ ,وإن كان الله جعل الحق على لسانه في جميع المسائل كما يقولون فـقد أنكر عمر رضي الله عنه أشد الإنكار على رجل سأله عن مسألة في الحج فلما أفتاه قال له الرجل هكذا أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم,فضربه عمر بالدرة وقال له :سألتني عن شيئ قد افتى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي أخالفه رويناه من طريق عبد الرزاق، وقال عمر رضي الله عنه إن الرأي منا هو التكلف وإن الرأي من النبي صلى اله عليه وسلم كان حقا قال أبو محمد فمن كان متبعا لهم فليتبعهم في هذا الذي اتفقوا عليه من ترك التقليد وفيما أجمعوا عليه من اتباع سنن النبي صلى الله عليه وسلم وفيما نهوا عنه من التكلف"(134). فتبين مما سبق كله عدم جواز مخالفة النص لقول أحد كائنا من كان ولكن للتنزل يورد الباحث إن شاء الله ما استدلوا به من أقوال وأفعال الصحابة محاولا بيان وجهه. أفعال الصحابة التي استدل بها من قدم المصلحة المتوهمة على النص: أولا: استدلوا أن الصحابة عارضوا النص بالمصلحة في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام لما أمر __________ (132) البخاري,مرجع سابق, (402)، (4916). (133) المرجع السابق، حديث رقم (4844). (134) الأحكام في أصول الإحكام، مرجع سابق، جـ6، ص79. [صفحة 71] بجعل الحج عمرة قالوا: كيف وقد سمينا الحج، وتوقفوا، وهو معارضة للنص بالعادة(135). (الرد): إن الاستدلال هذا استدلال غريب إذ أن الصحابة قد نفذوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعارضوه، بل تعجبوا منه فقط (وتعاظم ذلك عندهم)(136) لما سبق أنهم كانا يعتقدون أن العمرة في أشهر الحج من الفجور ولكن نفذوا الأمر ويدل عليه ما ورد في صحيح مسلم (فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا الثياب، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال) (137). فأين في الحديث تركهم النص للعادة وللمصلحة، سبحانك هذا بهتان عظيم. ثانيا: استدلوا بجمع أبي بكر رضي الله عنه للقرآن، ووجه الدلالة: أن ذلك مخالف للحديث (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). (138) (الرد) : لا أدري أين معارضة أبي بكر للنص هنا وتقديم المصلحة المتوهمة عليه ,يقول ابن حزم (وأما جمع أبي بكر ر ضي الله عنه المصحف فنعم ووجه ذلك بين, وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه القرآن مفرقا فيأمر بضم الآية النازلة إلى آية كذا من سورة كذا، فلم يكن يمكن أن يكتب القرآن في مصحف جامع لأجل ذلك، فلما مات صلى الله عليه وسلم، واستقر الوحي، و علم أنه لا مزيد فيه ولا تبديل كتبه أبو بكر حينئذ وأثبته"(139). فكتابة القرآن مشروعة الأصل, ولا يوجد نهي للكتابة متصلة مع بعضها من أول المصحف إلى __________ (135) الوصف المناسب، مرجع سابق، ص353. (136) النسائي، حديث رقم (2813) وقال محققه الألباني صحيح. (137) صحيح مسلم، مرجع سابق، حديث رقم (1212). (138) مسلم ,صحيح مسلم ,مرجع سابق ,حديث رقم 1718. (139) المرجع السابق، حديث رقم (1718). [صفحة 72] آخره, فتبقى مشروعة على أصلها، فلم يخالف رضي الله عنه النص أصلاً،و هذه وسيلة لتسهيل العبادات ,وليست عبادة مستقلة احدثها ابو بكر ودليل الكتابة ما قاله زيد بن ثابت "فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب والرقاع واللخاف وصدور الرجال"(140) فجمع ذلك في مصحف واحد ليس تشريعا لما لم يأذن به الله.انما هو وسيلة لتسهيل التعبد مثل استخدام الطائرة للسفر للحج واستخدام التلفاز والاشرطة في الدعوة وغير ذلك والله اعلم. ثالثاً: استدلوا بأخذ عمر للعشور، وهذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل الذمة، إذ لا يجوز أن يأخذ عمر العشر من تجارة أهل الذمة في دار الإسلام لأنهم لا يؤخذ منهم سوى الجزية. (الرد): أن عمر لم يفعل ذلك مخالفا لنص، إذ إنه لايعدو كونه عقد إجارة ,يدفع أهل الحرب أجرة على تجارتهم ,أو جعالة جعلها أهل الحرب للمسملين مقابل بيع بضائعهم في بلاد المسلمين، والعقدان جائزان بشروطهما في السنة، فأين تقديم عمر المصلحة على النص بالنسبة لأهل الحرب، كما أن أموال المحاربين أصلا حلال للمسلمين لقول الله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) (141) ، وقوله صلى الله عليه وسلم "وأحلت لي الغنائم" (142)، فإذا أخذ عمر عشر مالمسملين فأين هذا في تقديم المصلحة على النص، أما أهل الذمة فذلك لأنهم قد صولحوا على ذك في عهدهم الذي كان قد عاهدهم عليه في الصلح كما أن عبد الرزاق روى في مصنفه "قال عمرو بن شعيب: وكتب أهل منبج ومن وراء بحر عدن إلى عمر بن الخطاب يعرضون عليه أن يدخلوا __________ (140) الإحكام في الأحكام، مرجع سابق، جـ6، ص111 (141) سورة الانفال ,اية 41. (142) مسلم ،المرجع السابق , (810). [صفحة 73] بتجارتهم أرض الحرب ولهم العشور منها، فشاور عمر في ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأجمعوا على ذلك، فهو أول من أخذ منهم العشور"(143). فإن صح هذا الحديث وهو منقطع كما هو ظاهر فإن الظاهر منه أنهم كانوا أهل حرب والقول فيهم قد سبق فلعل دليل عمر هو الإجماع هنا وهذا واضح وليس المصلحة كما يدعون, وليس في الأثر أي مخالفة لأي نص، وليس فيه ما ظنوه من تقديم عمر رضي الله عنه المصلحة على النص. وقد حمل ابن حزم أخذ عمر العشور على أن عقد صولحوا عليه فقال (وأما الكفار فإنما أوجب الله تعالى عليهم الجزية فقط فإن كان ذلك صلحا مع الجزية فهو حق وعهد صحيح، وا حتجوا بحديث أنس بن سيرين عن أنس بن مالك عن عمر بن الخطاب "خذ من المسلمين من كل أربعين درهما درهما، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهما درهما، ومما لا ذمة له من كل عشرة دراهم درهما) (144). قال أبو محمد : هذا كله لا حجة فيه لأنه ليس عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم فكيف وقد روينا عن عمر بيان هذا كله، عن أبي مجلز قال بعث عمر عمارا وابن مسعود وعثمان بن حنيف إلى الكوفة فذكر الحديث وفيه أن عثمان بن حنيف مسح الأرض فوضع عليها كذا وكذا، وجعل في أموال أهل الذمة الذين يختلفون بها من كل عشرين درهم درهما وجعل على رؤوسهم _وعطل من ذلك النساء والصبيان _أربعة وعشرين, ثم كتب بذلك إلى عمر فأجازه، فصح أن هذا كان في أصل العهد والعقد وذمتهم و(عن عبد الله بن خالد العبسي قال: سألت زياد بن حدير من كنتم تعشرون ؟قال: ما كنا نُعشر مسلما ولا معاهدا كنا نُعشر تجار أهل الحرب، كما يعشروننا إذا أتيناهم). فصح __________ (143) صحيح البخاري، مرجع سابق، حديث رقم 438. (144) الصنعاني (عبد الرزاق بن همام)، المصنف، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1403هـ، حديث رقم (10118). [صفحة 74] أنه لم يكن يؤخذ ذلك ممن لم يُعاقد على ذلك، (وعن مسروق قال: و الله ما عملت عملا أخوف عندي أن يدخلني النار من عملكم هذا، وما بي أن أكون ظلمت فيه مسلما ولا معاهدا دينارا ولا درهما، ولكن لا أدري ما هذا الحبل الذي لم يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر قال أ بو محمد: فصح أنه عمل محدث ولا يجوز أن يظن بعمر ر ضي الله عنه أنه تعدي ما كان في عقدهم، كما لا يظن به في أمره أن يؤخذ من المسلمين من كل أربعين درهما درهم،أنه فيما هو أقل من مائتي درهم وبالله تعالى التوفيق(145). فصح مما سبق أن عمر كان يأخذ من المسلم الزكاة، ومن الذمي الذي صولح على زيادة على الجزية الزيادة، والذي لم يصالح عليها لا يأخذ منه شيء، ومن أهل الحرب العشر وبالله التوفيق. فبطل كونه خالف نصا أصلاً، لأنه يجوز المصالحة على مال عند الفتح فوق الجزية للنص ,ويجوز معاملة أهل الحرب بالإجارة أو الجعالة وفرض مال عليهم لدخول دار المسلمين فلا نص يمنع أصلا حتى يقال أن عمر خالفه للمصلحة. وبالله تعالى التوفيق. رابعا: استدلوا بإبطال عمر سهم المؤلفة قلوبهم(146) فقالوا أنه ترك النص للمصلحة فالمصلحة هي استفادة باقي الأصناف والنص هو (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) (147). __________ (145) ابن حزم (علي بن أحمد بن سعيد)، المحلي با لآثار، دار الذكر، بيروت، ب دون تاريخ، جـ4، ص237. (146) مدخل مقاصدي للاجتهاد، مرجع جسابق، ص58. (147) سورة التوبة آية: 60 [صفحة 75] الرد: النظرة الفاحصة تكشف غير ذلك، إن لكل حكم مناطا للتطبيق، ومناط تطبيق هذا النص هو تأليف القلب، وقد نظر عمر فإذا الإسلام قد عز، ودانت له أكبر امبراطوريتين في العالم، ولم يعد الإسلام بحاجة إلى تأليف القلب أو إلى المؤلفة قلوبهم، وإذا كان النص يدور حول علته وجودا وعدما فإن إعمال النص نفسه يقتضي الكف عن إعطاء هذا الفريق من الناس بعد أن عز الإسلام وعزت دولته، أفليس هذا اجتهاد داخل النص؟ أيفتات على عمر ويقال إنه قدم المصلحة على النص؟"(148). خامساً: استدلوا بعدم تقسيم عمر أرض السواد بين الفاتحين خلافا للنص (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ)(149)، وجعل عليها الخراج وجعلت وقفا على المسلمين فبدلا من أن يقسم الأربعة أخماس من الأرض التي غنمها المسلمون بين الغانمين كما فعل صلى الله عليه وسلم بأرض خيبر، وكما هو نص الآية، جعلها وقفا على كل المسلمين. (الرد): أولاً: 1- أن ابن الزبير وبلالا وغيرهم دعوا إلى قسمة الأرض وإذ تنازعوا فالمردود إليه هو ما افترض الله تعالى الرد إليه إذ يقول (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (150). __________ (148) جريشة (علي محمد)، المصلحة المرسلة محاولة لبسطها لنظرة فيها، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، مقال، السنة العاشرة، العدد الثالث، ذو الحجة، 1397هـ، ص47. (149) سورة الانفال , الآية: 41. (150) سورة النساء الآية : 59. [صفحة 76] 2- عن عمر أنه قال "إن عشت إلى قابل لا تفتح قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فهذا رجوع من عمر إلى القسمة. 3- أنه جاء عن عمر رضي الله عنه أنه استطاب أنفس الفاتحين بعد الفتح وهذا جائز وهو ما جاء عن قيس بن حازم قال "كانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية فجعل لهم عمر ربع السواد، فأخذوا سنتين أو ثلاثا، فوفد عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب ومعه جرير بن عبد الله فقال عمر: يا جرير لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما جُعل لكم، وأرى الناس قد كثروا فأرى أن ترده عليهم، ففعل جرير ذلك، فقالت أم كُرز البجلية: يا أمير المؤمنين إني أبي هلك وسهمه ثابت السواد وإني لم أُسلم فقال لها عمر: يا أم كرز إن قومك قد صنعوا ما قد علمت، فقالت: إن كانوا صنعوا ما صنعوا فإني لست أُسلم حتى تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملأ كفى ذهباً، ففعل عمر ذلك، فكانت الذهب نحو ثمانين دينارا فهذا أصح ما جاء عن عمر في ذلك وهو قولنا فإنه لم يوقف حتى استطاب نفوس القائمين، وورثه من مات منهم وهذا الذي لا يجوز أن يظن بعمر غيره"(151). سادساً: استدلوا بأن عمر خالف نص "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة"(152) متفق عليه للمصلحة إذ روى البيهقي عن يعلي بن أمية قال "ابتاع عبد الرحمن بن أبي أمية أخو يعلي من رجل فرسا أنثي بمائة قلوص، فبدا له فندم البائع، فأتى عمر رضي الله عنه فقال: أن يعلي وأخاه غصباني فرسي، فكتب عمر إلى يعلي بن أمية أن الحق بي" فأتاه فأخبره، فقال: إن الخيل لتبلغ هذا __________ (151) انظر المحلي، مرجع سابق، جـ5، ص412. (152) البخاري (1463) , ومسلم,الزكاة/10. وسنن الترمذي، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1395هـ- 1975م، (628). [صفحة 77] عندكم قال: ما علمت فرسا قبل هذه بلغ هذا، فقال عمر "فنأخذ من كل أربعين شاة شاة ولا نأخذ من الخيل شيئاً، خذ من كل فرس دينارا"(153) فهنا خالف رضي الله عنه النص وأوجب على الناس ما لم يجب عليهم. (الرد): أن فعل عمر هذا محمول على "أن عمر فعل ذلك حين أحبه أربابها"(154) كما قال البيهقي رحمه الله وهذا لا شيء فيه باستطابة النفس ويدل على ذلك ما رواه البيهقي وأشار إليه وحمل الحديث السابق عليه وهو أثر حارثة بن مُضرب قال: جاء ناس من أهل الشام إلى عمر رضي الله عنه فقالوا: إنا قد أصبنا أموالا خيلا ورقيقا نحب أن يكون لنا فيه زكاة وطهور، قال "ما فعله صاحباي قبلي فأفعله" فاستشار عمر رضي الله عنه عليا رضي الله عنه في جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي رضي الله عنه: هو حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها راتبه"(155). فبين علي رضي الله عنه أن عنصر الإلزام يجب أن لا يكون موجودا كذلك عنصر الدورية فصح بذلك أنها ما كانت لازمة، ولا فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر، و أربابها هم الذين طلبوا ذلك بطيب نفس، وهذا لا شيء فيه إذ أن الممنوع هو عنصر الإلزام للحديث (لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه) (156). "وقد صح أن عمر إنما أخذها على أنها صدقة تطوع منهم لا __________ (153) البيهقي (أحمد بن ال حسين بن علي)، السنن الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط3، 1424هـ- 2003م، حديث رقم (7420). (154) السابق، نفس الحديث. (155) السابق، حديث رقم (7414). (156) مسند أحمد، حديث رقم (20695)، والدار قطني (2885)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (1459). [صفحة 78] واجبة، عن نبيل بن عوف قال أمر عمر بن الخطاب الناس بالصدقة فقال الناس يا أمير المؤمنين، خيل لنا ورقيق افرض علينا عشرة عشرة، فقال عمر أما أنا فلا أفرض ذلك عليكم"(157)، فصح أن عمر لم يفرض كما وعد رحمه الله تعالى، وهذا الظن بعمر رضي الله عنه وبالتالي ما أخذ ذلك إلا ندبا منه وتطوعا منهم. ثم أن عليا خالف عمرا بعد ذلك-إن كان فعلا فرض ذلك -وقال "قد عفوت عن صدقة الخيل و الرقيق"(158). فاتبع علي النص وهو من الراشدين فليتبعوا سنته في اتباعه للنص وكذلك سنة أبي بكر لقول عمر السابق "ما فعله صاحباي قبلي" فما الذي جعل فعل عمر إن صح أنه فعل ذلك على جهة الإلزام حجة وفعل أبو بكر وعلي ليس بحجة وهما قد شملهما الحديث وبالله التوفيق. سابعا: قالوا :أن عمر خالف نص رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه "من قتل قتيلا فله سلبه"(159) فخالفه عمر بتخميس فرس المرزُبان للمصلحة إذ كان السلب كبيرا(160). (الرد): بإيراد حديث عمر تتضح القصة بإذن الله تعالى روى البيهقي عن أنس بن مالك أن أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء بن مالك، كان حمل على المرزبان فطعنه فقتله، فتفرق عنه أصحابه، فنزل إليه فأخذ منطقته وسواريه، فلما قدم مشى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى أتى أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه فقال، يا أبا طلحة إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء بن __________ (157) المحلي، مرجع سابق، جـ4، ص34. (158) السابق، نفس الصفحة. (159) صحيح البخاري، مرجع سابق، حديث رقم (3142). (160) انظر عودة (جاسر)، مدخل مقاصدي للاجتهاد، مرجع سابق، ص57. [صفحة 79] مالك مال، وأنا خامسة، فقوموا المنطقة والسوارين ثلاثين ألفا"(161) ،واحتج به ابن حزم. تخريج فعل عمر رضي الله تعالى عنه: التخريج الأول: أن عمر رضي الله عنه لعله رأى أن السلب لو كان كبيرا فإن للإمام أن يخمسه وهو مذهب إسحاق بن راهوية رحمه الله(162). ويشير إليه الحديث التالي: عن عوف بن مالك قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مددي من اليمن، وفي رواية قتل رجل من حمير (وهو المددي) (163)(*) رجلا من العدو فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد، وكان واليا عليهم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عوف بن مالك فأخبره، فقال لخالد "ما منعك أن تعطيه سلبه" قال: استكثرته يا رسول الله، قال "فدعه إليه" فمر خالد بعوف,فجر بردائه ثم قال :هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغضب فقال "لا تعطه يا خالد، لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركم لي أمرائي.." (164). فهنا أجاز النبي صلى الله عليه وسلم فعل خالد وهذا لعله لكون المال كثيرا كما أخبر خالد إذ أن __________ (161) البيهقي، السنن الكبرى، مرجع سابق، حديث رقم (12787). (162) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، مطابع دار الصفوة، مصر، الطبعة من (1404-1427)هـ. جـ25، ص183. (163) (*) المددي: يعني رجلا من المدد الذين جاءوا يمدون مؤتة ويساعدونهم. (164) صحيح مسلم، مرجع سابق، حديث رقم (1753،1754). [صفحة 80] النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل له إن هذا لا يجوز بل قال ادفعه إليه ثم قال له "لا تعطه" فلعل هذا يدل على أن المال إذا كان كثيرا كان الإمام مخير بين الإعطاء و الرد كما هو ظاهر الحديث وإلى ذلك ذهب عمر رضي الله عنه, فلعل حجة عمر هي فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا, وليس المصلحة كما زعموا ,ولعله رضي الله عنه فهم هذا الفهم من هذا الحديث، إذ لو كان إعطاء السلب واجبا لما تركه صلى الله عليه وسلم ولما أمر بإمساكه عن صاحبه. التخريج الثاني: أن عمر رضي الله عنه لعله رأى أمر السلب موكول إلى الإمام لأنه صلى الله عليه وسلم لما قضى بالسلب للقاتل قضى به لكونه إماما على جهة النفل لا على وجه التشريع وإلى ذلك ذهب الأحناف(165) والمالكية(166). قال ابن رشد "وسبب اختلافهم هو قوله عليه الصلاة والسلام يوم حنين بعد ما برد القتال (من قتل قتيلا فله سلبه)، أن يكون ذلك منه- عليه الصلاة والسلام- على جهة النفل من قبل أنه لم يثبت عنده أنه قال ذلك عليه الصلاة والسلام ولا قضى به إلا أيام حنين ولمعارضة آية الغنيمة له إن حُمل ذلك على الاستحقاق، أعني قوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ) (167) ، فإنه لما نص في الآية أن الخمس لله علم أن أربعة الأخماس واجبة للقائمين(168). __________ (165) السرخسي(محمد بن أحمد بن أبي سهل)، المبسوط، دار المعرفة، بيروت، بدون طبعة، 1414هـ- 1993م، جـ15، ص47. (166) انظرا بن رشد (محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الحديث القاهرة، بدون طبعة، 1425هـ- 2004م، جـ2، ص160. , (167) سورة الأنفال الآية : .41 (168) 4) ابن رشد، المرجع السابق، جـ2، ص160. [صفحة 81] فلعل عمر فهم ذلك أيضا كما فهم هؤلاء, فأين مخالفة النص ,خاصة وحديث مسلم السابق يدل على ذلك أيضا. التخريخ الثالث:أن عمر استطاب نفس البراء قال ابن حزم "ولا يجوز أن يُظن بعمر تعمد خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصح أنه استطاب نفس البراء وهذا صحيح حسن لا ننكره"(169). وحمل ابن حزم حديث منع خالد من إعطاء السلب للقاتل على "أن في نصه أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره بأن لا يرده عليه، لأنه علم أن القاتل صاحب السلب أعطاه بطيب نفس، ولم يطلب خالداً به، وأن عوفا يتكلم فيما لا حق له فيه وهذا هو نص الخبر"(170). ولم يقل عمر رضي الله عنه أنه فعل ذلك للمصلحة، إذن فهو قول عليه بغير علم وحاشاه رضي الله عنه من مخالفة نص رسول الله صلى الله عليه و سلم دون تأويل وبالله تعالى التوفيق. ثامنا: استدلوا بحديث ابن عباس قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة, فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناه, فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم(171). قالوا: وبهذا الحديث يكون عمر قد قدم المصلحة على النص، والمصلحة ظنوا أنها مصلحة الردع لهؤلاء، وهنا يكون عمر قد ألزم بحكم وطلاق لا يلزم أصلا ويكون قدخالف النص للمصلحة. __________ (169) ابن حزم ,المحلي، مرجع سابق، جـ5، ص401، 403. (170) المرجع سابق، جـ5، ص401، 403. (171) صحيح مسلم، حديث رقم (1472)، الطبراني، (سليمان بن أحمد بن أيوب)، المعجم الكبير, مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط2، بدون تاريخ، حديث رقم (1096). [صفحة 82] (الرد): أولا: لا يدري الباحث أي مصلحة للناس فيما فهموه من فعل عمر رضي الله عنه، فهم كثير ما يطلقون المصلحة على ما فيه نفع وتيسير على الناس من وجهة نظرهم وهنا فعل عمر ما هو إلا التشديد على الناس على حسب فهمهم للنص، فبدون شك أن إيقاع الطلاق- إذا جاءت الثلاثة مجموعة في لفظ واحد-ثلاثا أشق من إيقاعها طلقة واحدة، ولو عارض هؤلاء معارض بهذا الحديث وقال: يؤخذ منه ترك عمر للنص لأخذ الناس بالحيطة وإن كانت أشد لكان أولى من قولهم. وسيلزمهم بذلك ترك نصوص التيسير الشرعية وأخذ الناس بالأشد لفعل عمر و هو على رأيهم خليفة راشد يقدم سنته على النص. ولا حول ولا قوة إلا بالله,ومن العجب أن القائلين بالتيسير والمصلحة هنا قد تركوا فعله الذي فعله من إيقاع الثلاث طلقات المجموعة في لفظ واحد ثلاثا للمصلحة, وأخذوا بإيقاع الثلاث واحدة(172) فمرة فعل عمر حجة إذا وافق رغباتهم ,ومرة هو ليس بحجة بل نيته الموهومة المظنونة من أنه تعمد مخالفة النص لما يراه مصلحة هي الحجة وهكذا يلعب بديتن الله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله . ثانياً: أن لهذا الحديث عدة تخريجات تنفي الادعاء بأن عمر خالف النص أصلاً. أولاً: أن لفظ (كان الأمر كذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) هل له حكم الرفع، بمعنى هل يحمل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم علم به فأقره أم لا, فيه خلاف بين الأصوليين. جاء في كتاب التبصرة (إذا قال الصحابي كنا نفعل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا __________ (172) قانون الأحوال الشخصية المصري يأخذ برأي بن تيمية رحمه الله وابن القيم أن طلاق الثلاث إنما يقع و احدة، مع أن هذا خلاف فعل عمر رضي الله عنه في ظنهم فوافقوه في الاستنباط من الحكم (أي أنه إنما فعل ذلك للمصلحة) وخالفوه في أصل الرأي الظاهر بزعمهم (انظر سابق (سيد)، فقه السنة، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط3، 1397هـ- 1977م، جـ2، ص271. [صفحة 83] فهو كالمسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعض أصحاب أبي حنيفة، ليس كالمسند، لنا أن الظاهر من حال الصحابة أن لا يقدموا على أمر من أمور الدين والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم إلا عن أمره فصار ذلك كالمسند إليه، ولأنه إنما يضاف ذلك إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لفائدة وهو أن يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك فلم ينكره فوجب أن يصير كالمسند، واحتجوا بأنهم كانوا يفعلون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يكون مسندا، ألا ترى أنهم لما اختلفوا في التقاء الختانين قال بعضهم كنا نجامع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكسل فلا نغتسل, فقال له عمر: وعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأقركم عليه؟ قال لا قال: فمه, وقال جابر: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم"(173). قال ابن حزم "وأما حديث طاوس عن ابن عباس الذي فيه أن الثلاث كانت واحدة ترد إلى الواحدة وتجعل واحدة فليس شيء منه أنه عليه الصلاة والسلام هو الذي جعلها واحدة، أوردها إلى الواحدة، ولا أنه عليه الصلاة والسلام، علم بذلك فأقره ولا حجة إلا فيما صح أنه عليه الصلاة والسلام قال أو فعله أو علمه فلم ينكره(174). ولعل عمر فهم ذلك أيضا فاجتهد في المسألة لأنه ليس فيها حديث مرفوع إليه صلى الله عليه وسلم فلم يخالف نصا أصلا لأنه لم يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره. ثانياً: لو سلم بأن له حكم الرفع فلعل المقصود هو "تكرير اللفظ كأن يقول أنت طالق، أنت طالق، __________ (173) الشيرازي (إبراهيم بن علي بن يوسف)، التبصرة في أصول الفقه، دار الفكر، دمشق، ط1، 1403هـ، ص334. (174) المحلي، مرجع سابق، جـ9، ص392. [صفحة 84] أنت طالق، وكانوا أولا على سلامة صدورهم يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر وكثر فيهم الخداع ونحوه مما يمنع قبول من ادعى التأكيد حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار فأمضاه عليهم وهذا الجواب ارتضاه القرطبي"(175). فتغير الحكم لتغير عرف الناس من أرادتهم بتكرير الطلاق التأكيد على إرادتهم بتكريره التأسيس ,فحمل عمر قولهم على العرف القولي والظاهر المتبادر. ثالثاً: ووجه بعضهم الحديث بأن "الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يطلقون واحدة فلما كان زمن عمر كانوا يطلقون ثلاثا، ومحصله أن الطلاق الموقع في عهد عمر ثلاثا كان يوقع قبل ذلك واحدة، لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلا، أو كانوا يستعملونها نادرا وأما في عصر عمر فكثر استعمالهم لها، ومعنى قوله فأمضاه عليهم وأجازه وغير ذلك أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله, و رجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة، قال النووي وعلى هذا فيكون الخبر وقع على اختلاف عادة الناس خاصة، لا عن تغير الحكم في الواحدة(176). ولا أدري مع كثرة هذه التخريجات الدافع لهم إلى إرجاع فعل عمر إلى تقديمه المصلحة على النص وعمر لم يقل ذلك أيضا, وهو من أبعد الناس عن ذلك رضي الله عنه’ وبالله تعالى التوفيق. تاسعاً: استدلوا بقتل عمر الجماعة بالواحدة وهو ما رواه مالك عن سعيد بن المسيب أن عمر بن __________ (175) ابن حجر (أحمد بن علي العسقلاني) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ، جـ9، ص364. (176) المرجع السابق، جـ9، ص364. [صفحة 85] الخطاب قتل نفرا، خمسة أو سبعا برجل واحد قتلوه غيلة وقال عمر "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً"(177). وصححه الشيخ الألباني وقال في أحد أسانيده قال الحافظ في الفتح: وهذا الأثر موصول إلى عمر بأصح إسناد(178)، "قيل: إن عمر إذ قرر قتل الجماعة بالواحد قد فعل ذلك بناء على المصلحة مصادمة للنص الكريم (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) (179)، وقوله (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) (180)، والحر واحد، والعبد واحد والنفس و احدة فلا يجوز أن يتعدى الحكم لعدة أنفس بل لا يقتل إلا نفس واحدة أما باقي المشتركين فلا يقتلوا لأن الأصل حرمة دماءهم. (الرد): "ولم يكن عمل عمر تشريعا كما تصور البعض إنما كان تطبيقا للنص بفهم عميق. إن (ال) التعريف في ( النفس) يعني (الجنس) ولا يعني (المفرد) والباء في النفس التالية هي باء السببية وعلى ذلك فإن النص يعني أن كل نفس شاركت في القتل تقتل بالنفس التي قتلت, أي بسبب هذه النفس المقتولة، كذلك فإن اجتهاد عمر بقتل الجماعة بالواحد يجعل في تطبيق النص على هذا النحو شفاء للصدر أيما شفاء. أمر عجزت عنه كل الأنظمة الوضعية، أفنلوم عمر بعد ذلك أن __________ (177) الاصبحي (مالك بن أنس بن مالك)، الموطأ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1406هـ- 1985م، ص871، حديث رقم (13)، والدار قطني (علي بن عمر بن أحمد)، سنن الدار قطني، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط1، 1424هـ- 2004م، حديث رقم (3463). وسنن البيهقي، مرجع سابق، حديث رقم (2962)، وهو فيه عن نافع عن ابن عمر. (178) الالباني ,ارواء الغليل، مرجع سابق، حديث رقم (2201). (179) سورة البقرة الآية : 178 . (180) سورة المائدة الآية: 45. [صفحة 86] اجتهد في فهم النص وتطبيقه(181). ولا شك أن المفرد المعرف بأل من صيغ العموم، قال ابن قدامة عن صيغ العموم "والنوع الثالث: لفظ الواحد، كالسارق والسارقة، و الزاني والزانية قال محققة ، ويعبر عنه بالمفرد المحلي باللام غير العهدية وكونه من صيغ العموم هو مذهب الشافعي وأحمد وابن برهان وأبي الطيب والبويطي ونقله الآمدي عن أكثر العلماء(182) . فلا حرج بناء على ذلك أن فهم عمر أن الأنفس تقتل بالنفس بل هو إعمال لصيغة العموم في الآية. عاشراً: استدلوا بنفي عمر رضي الله عنه لنصر بن حجاج إلى البصرة ,إذ كان جميل الوجه لمصلحة عدم فتنة النساء به ,مع أن الأصل أنه لا دخل له في ذلك والأصل حرمة إيذاء المسلم لقوله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) (183) فلا يعاقب إلا بحصول الذنب، ففعل عمر ذلك مخالفا لتلك النصوص نظرا للمصلحة. (الرد): الحديث ذكره الخرائطي سنده قال "بينما عمر رضي الله عنه في سكة من سكك المدينة إذ سمع امرأة وهي تهتف في خدرها وتقول : هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج قال عمر رضي الله عنه: أرى معى النصر رجل تهتف به العواتق في خدورها، على بنصر بن __________ (181) المصلحة المرسلة ,محاولة لبسطها ونظرة فيها، مرجع سابق، ص47. (182) ابن قدامة (عبد الله بن أحمد بن محمد) روضة الناظر وجنة المناظر، مؤسسة الريان، ط2، 1423هـ- 2002م، جـ2، ص11. (183) سورة الأحزاب الآية: 58. [صفحة 87] حجاج، فأتى به فإذا هو من أحسن الناس وجها وعينا وشعرا ,فأمر بشعره فجذ, فخرجت له جبهة كأنه شقة قمر فأمره أن يعتم فاعتم، فافتتن النساء بعينه، فقال عمر والله لا تجامعني ببلاد أنا بها قال: يا أمير المؤمنين ولم قال هو ما أقول لك فسيره إلى البصرة(184). (الرد): أولاً: هذا الأثر ضعيف عن عمر إذ فيه محمد بن سعيد بن زياد القرشي البصري قال عنه أبو حاتم: هو منكر الحديث، مضطرب الحديث، ضعيف وقال عنه أبو زرعة، ضعيف الحديث، ليس بشيء وترك حديثه(185)، وفي الحديث الجهم بن عثمان، قال أبو حاتم مجهول(186)، قال الألباني(187)، لا يعرف، فالحديث لا يصح عن عمر رضي الله عنه فلا يصح الاحتجاج به على المسألة المطروحة وبالله تعالى التوفيق، ومتن الحديث نفسه يدل على ضعفه فإن كان عمر نفاه لخوف فتنتة على نساء المدينة المشهور عنهن التقوى والورع نظرا لقرب عهدهن برسول الله صلى الله عليه وسلم وملازمتهن لصحابته رضوان الله عليهم ،فهل يرسله إلى نساء البصرة مع بعد عهدهن بالرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ، فنساء البصرة مشتركات مع نساء المدينة في __________ (184) (4)الخرائطي (محمد بن جعفر بن محمد),اعتلال القلوب ,نزار مصطفى البازي,مكة المكرمة ,ط2 ,1422ه,2002 م,ج3,ص239. (185) انظر الخطيب البغدادي، (أحمد بن علي بن ثابت)، تاريخ بغداد، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 422هـ- 2002م، جـ3، ص239. (186) الشوكاني (محمد بن علي بن محمد) نيل الأوطار، دار الحديث، مصر، ط1، 1413هـ- 1993م، جـ2، ص235 (187) الألباني (محمد ناصر الدين)، ضعيف الترغيب والترهيب، مكتبة المعارف، الرياض، بدون تاريخ، جـ2، ص95 [صفحة 88] نفس المناط، فهل يحتاط عمر لنساء المدينة تاركا نساء البصرة يقعن في الفتن على زعمهم,حاشاه من ذلك, والله أعلم بالصواب. حادي عشر: استدلوا بتضمين علي رضي الله عنه الصناع مع أن الأصل عدم التعدي إلا بالبينة لكن لما رأى علي رضي الله عنه مصلحة الناس في تضمنيهم قدم المصلحة على النص وهو قوله صلى الله عليه وسلم "ولكن اليمين على المدعي عليه"(188). والصانع هنا مدعي عليه فالأصل ألا يضمن إلا بالتعدي ويكفيه يمينه عند الإنكار, قال بن حزم "وصح عن طريق ابن أبي شيبة نا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا كان يضمن القصار والصواغ وقال لا يُصلح الناس إلا ذلك"(189). (الرد): قال الامام الشافعي(وقد يُرْوَى من وَجْهٍ لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الحديث مثله أَنَّ عَلِيَّ بن أبي طَالِبٍ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه ضَمَّنَ الْغَسَّالَ وَالصَّبَّاغَ وقال لَا يُصْلِحُ الناس إلَّا ذلك أخبرنا بِذَلِكَ إبْرَاهِيمُ بن أبي يحيى عن جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ عن أبيه أَنَّ عَلِيًّا رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه قال ذلك وَيُرْوَى عن عُمَرَ تَضْمِينُ بَعْضِ الصُّنَّاعِ من وَجْهٍ أَضْعَفَ من هذا)(6). وإن صح النقل عن علي فلم ينقل عنه رضي الله عنه أنه كان يعلم أن الأصل أن الصناع لا يضمنون فى الشريعة, ثم خالف ذلك للمصلحة فلا يصح أن ينسب اليه ذلك, بل حسن الظن به يستوجب أن نظن به أنه اجتهد عند عدم وجود النص لديه ، فلا يصح القول على أحد بغير علم، __________ (188) صحيح مسلم، مرجع سابق، حديث رقم (1711). (189) المحلي، مرجع سابق، جـ7، ص30. (6)الشافعي(محمد بن ادريس ),الام,دار المعرفة,بيروت,1393ه,ج7 ص96,97. [صفحة 89] ولكن لعل توجيه علي رضي الله عنه هو توجيه المالكية في المسألة إذ أنهم يرجعون في هذه المسألة إلى تقديم الظاهر على الأصل. فلو كان الظاهر عند فساد الذمم تعدي الصناع والأجراء المشتركين ,فإذا ادعوا عند ذلك أنهم لم يقصروا ولم يفرطوا, فهم في هذه الحالة يخالفون الظاهر إذ الظاهر تعدي الأجراء، وبما أنهم يقدمون الظاهر على الأصل، إذن فالظاهر هو المعتمد عندهم، ومدعي خلاف الظاهر هو المدعي المذكور في الحديث، (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر)(190) ، فيجب عليه البينة وإثبات أنه لم يتعد ولم يقصر, وإذا لم يأت بالبينة فهو ضامن, هذا هو فهمهم للحديث, إذ أن القاعدة عندهم هي (أن مخالف الظاهر هو المدعي) (191) مخالفين غيرهم من الشافعية إذ أن القاعدة عندهم (أن الأصل لا يترك وإن كان الظاهر يخالف الأصل)(192)، فهذا اختلاف في تفسير معنى المدعي، ولعل علي رضي الله عنه قد فهم هذا أيضا ,فالخلاف هو خلاف في تفسير معنى قوله صلى الله عليه وسلم (المدعي), وليس مخالفة للنص بالمصلحة وبالله تعالى التوفيق. وهذا الخلاف خلاف أصولي معروف فذهب علي رضي الله عنه أن الصانع هو المدعي فيجب تضمينه ما لم يأت بالبينة على أنه لم يتعد, لأن الظاهر هو التعدي لكثرة ذلك وشهرته. قال بن فرحون "اعلم أن علم القضاء يدور على معرفة المدعي عليه، لأنه أصل مشكل، ولم يختلفوا في حكم ما لكل واحد منهما وأن على المدعي البينة إذا أنكر المطلوب، وأن على المدعي عليه اليمين __________ (190) الدار قطني (3190)، البيهقي (3103) وانظر ارواء الغليل، مرجع سابق، حديث رقم (1938) وصححه الألباني. (191) انظر حسان (حسين حامد)، نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي، مكتبة المتنبي، 1981م، ص135، 136. (192) انظر الهيثمي (أحمد بن محمد بن حجر)، الفتاوى الفقهية الكبرى، المكتبة الإسلامية، بدون تاريخ، جـ1، ص26. [صفحة 90] إذا لم تقم البينة، وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تحديد المدعي والمدعي عليه قال القرافي، المدعي من كان قوله على خلاف أصل أو عرف والمدعي عليه من كان قوله على وفق أصل أو عرف"(193). فيلاحظ هنا من كلام القرافي أن العرف والعادات الظاهرة تقدم على الأصل إذا كانت تشهد للشخص فإذا كان قوله على خلاف العادة الجارية فهومدعي . قال بن تيمية: (وإذا اختلفا في قبض المهر فالمتوجه إذا كانت العادة الغالبة جارية بحصول القبض في الديون أو الأعيان، فالقول قول من يوافق العادة، وهو جار على أصولنا وأصول مالك في تعارض الأصل والعادة والظاهر أنه يرجح"(194). وبهذا يتبين توجيه قول علي رضي الله عنه ,والله سبحانه أعلم بالصواب . ثاني عشر: استدلوا بأن عمر عطل حد السرقة في عام المجاعة وقالوا هذا تقديم للمصلحة على النص والنص هو قوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (195). والحديث قد جاء في مصنف عبد الرزاق عن يحيى بن أبي كثير قال قال عمر "لا يُقطع في عذق ولا عام السنة"(196). ,العذق: هو النخلة أو الغصن من النخل فيه ثمرة والمراد بالسنة الجدب والقحط. __________ (193) بن فرحون (إبراهيم بن علي بن محمد) تبصرة الحكام في أصول الأقضية و مناهج الأحكام، مكتبة الكليات الأزهرية، ط1، 1406هـ- 1986، جـ1، ص140. (194) بن تيمية (أحمد بن عبد الحليم)، الفتاوى الكبرى، دار الكتب العلمية، ط1، 1408هـ- 1987م، جـ5، ص476. (195) سورة المائدة الآية: 38. (196) عبد الرزاق، المصنف, مرجع سابق، (18990). [صفحة 91] (الرد): يقول الشيخ بن عثيمين رحمه الله "ولا يجوز أن تعطل هذه الحدود بأي حال من الأحوال، وما روى عن عمرو رضي الله عنه أنه أسقط الحد عام المجاعة فإن هذا يحتاج إلى شيئين. الشيء الأول: صحة النقل فإننا نطالب من ادعى ذلك بصحة النقل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. الأمر الثاني: أن عمر رضي الله عنه إنما رفع الحد من أ جل الشبهة القائمة، فإن الناس في مجاعة، والإنسان قد يأخذ الشيء للضرورة إليه لا لتشبع به، ومعلوم أن المضطر إلى الطعام يجب على المسلمين إطعامه، فخشي عمر رضي الله عنه أن يكون هذا السارق مضطرا إلى الطعام ومنع منه فتحين الفرصة فسرق, هذا هو اللائق بعمر رضي الله عنه إن صح الأثر المنسوب إليه"(197). ويلاحظ من الحديث المحتج به شيئان: أولاً: أن رواية يحيى بن أبي كثير لم يذكره بصيغة من صيغ السماع فقد قال: (قال عمر) وقد قال ابن حجر ("يحيى بن أبي كثير اليماني) من صغار التابعين، حافظ مشهور كثير الإرسال ويقال: لم يصح له سماع من صحابي ووصفه النسائي بالتدليس"(198). وحديث المدلس إذا لم يُصرح بالسماع غير مقبول هذا هو المشهور عند المحدثين(199)، وقال يحيى القطان: "مرسلات يحيى بن أبي كثير __________ (197) ابن عثيمين (محمد بن صالح)، موقع الإسلام سؤال وجواب. (198) ابن حجر (أحمد بن علي بن محمد)، تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتلديس، مكتبة المنار، عمان، ط1، 1403هـ- 1983م، ص36. (199) انظر الزركشي (محمد بن عبد الله بن بهادر) النكت على مقدمة ابن الصلاح، أضواء السلف، الرياض، ط1، 1419هـ- 1998م، جـ2، ص95. [صفحة 92] شبه الريح"(200). ويلاحظ أن يحيى بن أبي كثير قال فيه "أبو حاتم وأبو زرعة والبخاري وغيرهم لم يدرك أحدا من الصحابة إلا أنس بن مالك فإنه رآه رؤية ولم يسمع منه وهذا لفظ أبي حاتم"(201). وعلى هذا فالحديث منقطع والمنقطع ليس بحجة عند جمهور المحدثين(202). وروى الحديث موصولا من طرق عن يحيى بن أبي كثير ، عن ابن زاهر ، عن حصين بن حدير ، قال : سمعت عمر يقول : " لا قطع في عذق ، ولا في عام سنة " قال الألباني (( ضعيف. أخرجه ابن أبى شيبة (11/74/2) عن هشام الدستوائى عن يحيى بن أبى كثير عن حسان بن زاهر عن حصين بن حدير قال: سمعت عمر وهو يقول: " لا قطع فى (غدق) , ولا فى عام سنة ". عزاه الحافظ فى " التلخيص " (4/70) لإبراهيم بن يعقوب الجوزجانى فى " جامعه " عن أحمد بن حنبل عن هارون بن إسماعيل عن على بن المبارك عن يحيى بن أبى كثير به وزاد: " قال: فسألت أحمد بن حنبل عنه؟ فقال: (الغدق) : النخلة , وعام سنة: عام المجاعة , فقلت لأحمد: تقول به؟ فقال: إى لعمرى " قلت: وسكت عن إسناده وفيه جهالة ; فإن حسان بن زاهر وحصين بن حدير فيهما جهالة , فقد أوردهما ابن أبى حاتم (1/2/236 , 191) ولم يذكر فيهما جرحا ولا __________ (200) الذهبي (محمد بن أحمد بن عثمان،)، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، ط3، 1405هـ- 1985م، جـ6، ص29. (201) العلائي (خليل بن كيكلوي بن عبد الله) جامع التحصيل في أحكام المراسيل، عالم الكتب، بيروت، ط2، 1407هـ- 1986، ص299. (202) انظر الذهبي (محمد بن أحمد بن عثمان) الموقظة في علم مصطلح الحديث، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1412هـ- ص40. [صفحة 93] تعديلا , وأما ابن حبان فأوردهما على قاعدته فى " الثقات " (1/23 , 2/63((203) وإن صح أثر عمر رضي الله عنه فإنه يحمل على موضع أن مناط الحكم لم يتحقق كما سبق، وبالله تعالى التوفيق. إذ أن الله تعالى قال (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ).البقرة:173. يقول ابن حزم "ولا يحل لمسلم اضطر أن يأكل ميتة أو لحم خنزير وهو يجد طعاما فيه فضل عن صاحبه لمسلم أو لذمي، لأن فرضا على صاحب الطعام إطعام الجائع فإذا كان ذلك كذلك فليس بمضطر إلى الميتة ولا إلى لحم الخنزير وبالله تعالى التوفيق وله أن يقاتل عن ذلك فإن قتل فعلى قاتله القود، وإن قتل المانع فإلى لعنة الله لأنه منع حقا وهو طائفة باغية"(204)، فتبين من ذلك ان هناك حق للفقير في مال الغني الذي عنده فضل مال, واذا اضطر الفقير بسبب الجوع إلى الأخذ منه فله ذلك, ومن أخذ حقه فليس بسارق فلا حد عليه, وهذا ما فهمه عمر رضي الله تعالى عنه ولا يظن به رضي الله عنه أنه عنى بذلك اسقاط الحد عن الغني الواجد الشبعان ,هذا وإن صح الخبر بفهمهم فإن اقصاه أن يكون من اجتهاد الصحابة الذي قد بين الباحث عدم حجيته وبالله تعالى التوفيق ثالث عشر: استدلوا بفعل عمر رضي الله عنه بأنه منع من الزواج بالكتابيات فقد قدم عمر المصلحة على النص والنص هو قوله تعالى (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ) (205) . (الرد) أولاً: عمر لم يمنع بمعنى حرم هذا الفعل ولكنه كره لهم ذلك فقط, والكراهة هنا ليست __________ (203) الألباني ,ارواء الغليل ,مرجع سابق,حديث رقم2428. (204) المحلي، مرجع سابق، جـ4، ص284. (205) سورة المائدة الآية: 5. [صفحة 94] كراهة مطلقة لما هو مشروع الأصل بل ما كرهه عمر إلا لخوف أن لا يتحقق شرط جواز النكاح من الكتابيات, وهو شرط العفة في قوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ) المائدة:5. والله سبحانه أعلم، والحديث بإيراده يتضح المراد وهو "أن حذيفة تزوج يهودية، فكتب إليه عمر خل سبيلها, فكتب إليه أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها؟ قال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن، صحيح".(206) وقال الألباني "إسناد صحيح وأخرجه البيهقي وقال: وهذا من عمر رضي الله عنه على طريق التنزيه والكراهه"(207)، والذي يدل على الكراهة أنه لما سئل قال (لا أزعم أنها حرام) وكذلك "زيادة عبد الرزاق، فلم يطلقها حذيفة لقوله حتى إذا كان بعد ذلك طلقها"(208). ولو كان حذيفة يرى التحريم لبادر إلى تطليقها ولو كان عمر يرى وجوب اتباع قوله لما أقر حذيفة على فعله الحرام. كما أنه من المعروف أنه إذا اشتبه الحلال مع الحرام ذهب بعض العلماء أنه يُكره في هذه الحالة تعاطي الحلال وذلك للحديث "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" قال ابن بطال وقال آخرون الشبهات المذكورة في هذا الحديث حلال، بدليل قوله عليه السلام فيه (كالراعي يرعى حول الحمى) فجعل الشبهات ما حول الحمى وما حول الحمى غير الحمى، فدل أن ذلك حلال، وأن تركه ورع(209). واشتباه الحلال بالحرام هنا هو احتمال كون هذه المرأة من المومسات وبالتالي تكون __________ (206) الحديث رواه البيهقي، السنن ال كبرى، (13984) وانظر (207) الالباني،ارواء الغليل, مرجع سابق، جـ6، ص301. (208) عبد الرزاق، المصنف, مرجع سابق، رقم (10057). (209) ابن بطال،(علي بن خلف بن عبد الملك)، شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد، الرياض، ط2، 1423هـ- 2003م,ج6ص193. [صفحة 95] غير محصنة أي غير عفيفة قال السمرقندي (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ) يعني العفائف من أهل الكتاب(210). وبالتالي يكون عمر قد عمل بالنصوص كلما ولم يخالفها أصلا فهو يرى أن نكاح الكتابيات ليس حرام لكن لما خشي اختلاط الحلال بالحرام وهو كونهن من المومسات للآية السابقة , ولقوله تعالى (وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ)النور:123. عمل هنا بالحديث (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) (211) فكره ذلك، ولم يخالف رحمه الله نصا أصلا وبالله تعالى التوفيق. وهذا ما استقصيناه ولله الحمد والمنة وكل ما استدلوا به لا حجة لهم فيه أن الصحابة تركوا النص للمصلحة وإن صح وحاشاهم من ذلك فهو اجتهاد شخصي لا يرقى لمربتة الاحتجاج فهم فيه معذورون ومأجورون إن شاء الله تعالى، ونحن معذورون إن شاء الله في ترك أقوالهم لقول قائدنا صلى الله عليه وسلم وبالله تعالى التوفيق. أدلة المالكية ومن وافقهم على مذهبهم: كانت أدلة المالكية في نظريتهم التي ذهبوا إليها هي أدلة استقرائية في معظمها لا أدلة شرعية من الكتاب والسنة، وهي استدلالا بأفعال الصحابة رضوان الله عليهم التي سبق الرد عليها، فكان من أدلتهم. __________ (210) السمرقندي (نصر بن محمد بن أحمد)، بحر العلوم، بدون ناشر، بدون تاريخ، جـ1، ص371. (211) البخاري ,مرجع سابق ,ص52. [صفحة 96] أولاً: أن الله تعالى إنما بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام لتحصيل مصالح العباد، عملا بالاستقراء ومهما وجدنا مصلحة غلب على الظن أنها مطلوبة للشرع"(212). (الرد): قد سبق البيان أن الاستقراء قد دل أيضا على أن هناك من الأحكام شرعت لغرض الابتلاء المحض وليس فيها أي مصلحة ظاهرة للعبد في الدنيا فليس إلحاق الأمر المطروح بالمصلحة الدنيوية أولى من إلحاقه بالآخر الذي يراد منه الابتلاء والاختبار، وإلحاق الأمر المطروح بأحدهما دون الآخر تحكم بلا دليل ,وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل، واعترض على هذا الدليل بأن المصلحة في المناسب المرسل مسكوت عنها، وليس العمل بها أولى من إلغائها، بمعنى أن إلحاقها بالمصالح المعتبرة ليس بأولى من إلحاقها بالمصالح الملغاة، وذلك أن الشارع كما اعتبر بعض المصالح ألغى البعض الآخر، فترجح اعتبارها على إلغائها ترجيح بغير ترجح، وهو باطل"(213). ثانيا: أن العام المستفاد من استقراء نصوص الشريعة يجري في قوة الاحتجاج به مجرى العام المستفاد من الصيغة بقول الشاطبي "العموم إذا ثبت فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغ العموم فقط بل من استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام فيجري في الحكم مجري العموم المستفاد من الصيغة"(214)، فالمصلحة المرسلة على رأي الشاطبي ثبتت بالاستقراء فعمومها استقرائي فلابد أن تطرد في كل الفروع المطروحة. __________ (212) القرافي (أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن)، شرح تنقيح الفصول، شركة الطباعة الفنية المتحدة، ط1، 1393هـ- 1973م، ص446. (213) الوصف المناسب لشرع الحكم، مرجع سابق، ص266. (214) الشاطبي’ الموافقات، مرجع سابق. [صفحة 97] (الرد): هم عمدوا إلى النصوص الغير معللة التي لم يقل الله سبحانه وتعالى فيها إنما فعلت كذا من أجل كذا فاستنبطوا منها عللا وسألوا الله لم فعلت فردوا على أنفسهم دون دليل إنما فعلها الله من أجل المصلحة لنا ونسوا قوله تعالى (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (215) ، ولو كنا مطالبين بهذا الاستقراء الذي ادعوه, وهذا السؤال الذي سألوه لبين لنا ذلك صلى الله عليه وسلم (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (216) ، ولسأل نفس سؤالهم هذا خير القرون وهم أحرص الناس على الدين و على فهمه لكي يستنبطوا كما يقولون قواعد عامة قطعية. ثم هم بعد استنباطهم أن الله سبحانه وتعالى إنما فعل ذلك من أجل مصلحة كذا التي ذكروها قالوا على الله سبحانه وتعالى أيضا أنه لما فعل الله ذلك الأمر من أجل مصلحة كذا ,فلا بد وحتما أن لا يخرج عن ذلك أبدا في أي فرع أو أي فرد من أفراد العموم هذا أبدا ,وهذا حق عليه سبحانه وتعالى لا يتزحزح ولا يتغير، ونسألهم سؤالا هل العام الثابت بالنص جائز تخصيه أم لا؟ فمن قولهم جميعا نعم فالنصوص العامة الكثيرة في الكتاب والسنة غالبها مخصوصة منه سبحانه وتعالى حتى قيل (ما من عام إلا وقد خص) إلا في قوله تعالى (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (217) فأحل البيع وحرم الغرر ,ونهى عن البيع الرطب والتمر و رخص في العرايا, ولم يوجب الله تعالى على نفسه في العموم الثابت بالنص أن يطرده في كل أفراده بل سبحانه يستثنى ما يشاء، فلم لم يقولوا ذلك في العموم الثابت بالاستقراء على زعمهم_ إن صح كونه عموما_ أنه سبحانه له استثناء ما شاء، ولعل المسألة __________ (215) سورة الأنبياء آية: 23. (216) سورة النحل آية: 44. (217) الآمدي (علي بن أبي علي بن محمد)، الإحكام في أصول الأحكام، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، جـ4، ص281. [صفحة 98] المطروحة هي من المسائل المخصوصة من ذلك العموم المزعوم خاصة- وأقول خاصة -إذا جاء الدليل الصحيح من السنة الصحيحة باستثناء هذه المسألة وجاء بها نص خاص فلا يصح رد هذا التخصيص ,كما فعلوا في رد حديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"(218) الخاص بعموم النهي عن بيع الغرر ولقد قال الله تعالى: (وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (219)، فأين لنا العلم بأن الله سبحانه أنه إنما شرع ذلك الحكم من أجل مصلحة كذا ثم من أين لنا العلم أن الله سبحانه لابد أنه سبحانه لا يخصص ذلك الحكم أبدا, ولابد أن يطرده في جميع الفروع المماثلة ولا حول ولا قوة إلا بالله. الدليل الثالث: قالوا "لو لم تعتبر المصلحة في المناسب المرسل لأدى عدم اعتبارها إلى خلو بعبض الوقائع عن حكم الله تعالى، ذلك لأن النصوص والأقيسة المحمولة عليها محصورة، والحوادث غير محصورة، والمحصور لا يفي بغير المحصور، وعلى هذا لزم خلو بعض الحوادث المتجددة عن الأحكام، وخلو الحوادث عن الأحكام باطل. (الرد): قال ابن حزم رحمه الله "نحن نأتيكم بنص واحد فيه كل نازلة وقعت أو تقع إلى يوم القيامة وهو الخبر الصحيح الذي ذكرناه قبل بإسناده، وهو قوله صلى الله عليه وسلم، "دعوني ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم و اختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه(4). فصح نصا أن ما لم يقل فيه النبي صلى الله عليه وسلم فليس واجبا لأنه لم يأمر به، وليس حراما لأنه لم ينه عنه، فبقى ضرورة أنه مباح، فمن ادعى __________ (218) البخاري (2079)، مسلم (1532). (219) سورة الأعراف :اية 33. (4) رواه البخاري (7288)، مسلم (1337. [صفحة 99] أنه حرام مكلف أن يأتي فيه بنهي من النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء سمعنا وأطعنا، وإلا فقوله باطل، ومن ادعى فيه إ يجابا كلف بأن يأتـي فيه بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم فإن جاء به سمعنا وأطعنا، وإن لم يأت به فقوله باطل، عن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أعظم المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته"(220)(*). فنص صلى الله عليه وسلم كما تسمع أن كل ما لم يأت به تحريم من الله تعالى فهو غير محرم وهكذا أخبر صلى الله عليه وسلم في الواجب أيضا". وقال تعالى (وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) (221)، فحرم تعالى الحكم في الشيء من الدين بتحريم أو تحليل وسمي من فعل ذلك كاذبا وفعله كذبا إلا أن يحرمه الله أو يحلله في النص أو الإجماع، وقال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (222)، فسمي تعالى من حرم بغير إذن من الله تعالى في تحريم ذلك الشيء أو حلل بغير إذن من الله في تحليله مفتريا" (223). وحديث "ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام و ما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته" قال الحاكم :صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي, وقال __________ (220) (*) رواه البخاري (7289)، مسلم (2358). (221) سورة النحل :116. . (222) سورة يونس :95. . (223) ابن حزم,الإحكام ,مرجع سابق ص 19-20. [صفحة 100] البزار إسناده صالح قال الألباني: وهو الأٌقرب ,وقال الهيثمي :وإسناده حسن(224). فيدل هذا الحديث على أن كل ما سكت عنه صلى الله عليه وسلم فهو معفو عنه, فصح بهذا أن كل واقعة لها حكم، فإن الوقائع لا تخرج عن التقسيم السابق، وبالله تعالى التوفيق. ومن الردود أيضا 2- العمومات والأقيسة تأخذ الجميع، فلم تخل الحوادث عن الأحكام لاعتمادها على العمومات والأقيسة,وهذا عند من يقول بالقياس 4- سلمنا عدم شمول العمومات والأقيسة للحوادث، لكن لانسلم خلو الحوادث عن الأحكام لأن عدم وجود دليل على الإذن أو المنع في الحادثة دليل على التخيير فيها، والتخيير حكم شرعي".(225). الدليل الرابع: قال القرافي "ومما يؤكد العمل بالمصلحة المرسلة أن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أمورا لمطلق المصلحة، لا لتقدم شاهد بالاعتبار"(226). (الرد): تقدم توجيه أفعال الصحابة عند الرد على استدلالات الطوفي وقد (اعترض القاضي على __________ (224) انظر الألباني (محمد ناصر الدين بن نوح)، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1415هـ- 1995م، حديث رقم (2256) والحديث رواه البزار (أحمد بن عمرو بن عبد الخالق)، مسند البزار، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط1، بدأت 1988- وانتهت 2009، حديث رقم (4087). (225) الوصف المناسب ,مرجع سابق ,ص273. (226) القرافي( أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن)، شرح تنقيح الفصول، شركة الطباعة الفنية المتحدة، ط1، 1393هـ- 1973م، ص446. [صفحة 101] هذا الدليل بما نقله عنه الغزالي من أنه قال لعلهم كانوا يعتمدون معاني يعلمون أن أصول الشريعة تشهد لها، وإن كانوا لا يعينونها(227) (رد الريسوني على ابن حزم والرد عليه) قال الريسوني ((قوله تعالى: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} معناه أن الله سبحانه لا يحاسبه أحد على أفعاله، ولا يعترض على فعله وحكمه أحد والله يحكم، لا معقب لحكمه2، بخلاف العباد، فإنهم يسألون، ويحاسبون، ويلامون، ويخطئون. وذلك أن الله تعالى -من جهة- هو خالق كل شيء، ومالك كل شيء، له ما في السموات وما في الأرض، له الأولى والآخرة. ولأنه -ومن جهة أخرى-هو أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأصدق القائلين، وهو العليم الخبير. فعلى هذا الأساس -أو هذه الأسس- تأتي أفعاله وأحكامه. فلا مجال فيها للاستدراك أو الاعتراض. لهذا وذاك فإن الرب سبحانه {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} أي لا يسأل سؤال محاسبة، أو اعتراض. فهذا هو معنى السؤال في الآية. ولا شك أن توجيه مثل هذا السؤال لله تعالى، كفر. وهنا يكمن غلط -أو مغالطة- ابن حزم، في منع التعليل بمقتضى هذه الآية وما شابهها من الآيات. فالسؤال من علل الأحكام الشرعية، ومثله السؤال عن أسرار وحكم أفعال الله، هو سؤال تفهم وتعلم، فهو على أصل "الاستفهام" أي طلب الفهم. وهذا النوع من الأسئلة والتساؤلات صدر عن الأنبياء والصالحين . __________ (227) الوصف المناسب، المرجع السابق، 276. [صفحة 102] وقال ((الفرق هو أن السؤال الموجه إلى الله، أو إلى أي فعل من أفعاله، أو أي قول من أقواله، أو أي حكم من أحكامه، إذا كان الغرض منه: الاعتراض، أو الإنكار، أو الاستهزاء، أو المحاسبة، فهو ضلال وكفر. ومن هذا الباب السؤال الوارد في الآية التي استدل بها ابن حزم على تحريم البحث عن علل الأحكام، وهي قوله تعالى: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ} 2. فالسؤال في الآية صادر عن الكافرين والذين في قلوبهم مرض، وفيه معنى الاستهزاء والاتحقار، كما هو موضح في سبب نزولها. (الرد ) هذا تخيص بغير مخصص فالسؤال يشمل سؤال الاستفهام وهو الحقيقة في اللغة ثم بعد ذلك يشمل اكثر من معنى مجازي عند من يقول بالمجاز ثم من كان من مشركي قريش أو غيرهم يقول بجواز سؤال الله سؤال محاسبة وهم جميعا من مشركين واهل كتاب يعتقدون بربوبيته وبعيد ان تكون الاية تنكر على من يسأل هذا السؤال ثم قال الريسوني __________ [صفحة 103] ((والسؤالات من هذا القبيل صدرت عن المصطفين الأخيار، المقتدى بهم وبنهجهم: فقد سألت الملائكة ربها سبحانه: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} 1. ( وسأل الخليل إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، الله تعالى فقال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} 2 قال القرطبي "إنما طلب المعاينة. وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة. أي سألتك ليطمئن قلبي بحصول الفرق بين المعلوم برهانًا، والمعلوم عيانًا3. ومن هذا القبيل أيضًا، سؤال كل من زكريا ومريم عليهما الصلاة والسلام، لما جاءت كلا منهما البشرى بالولد: فزكريا: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} 4. ومريم: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} 5. فكل منهما اندهش وتحير أمام أمر الله وقدرته، فانطلق لسانه بالاستفهام لصاحب الأمر، سبحانه، إنه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم. و روى النسائي وأحمد في سبب نزول الآية، أن أم سلمة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: "ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ فأنزل الله هذه الآية.(إن المسلمين و المسلمات ............ الاية ) [صفحة 104] قلت (ابو مازن )(( جاء في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (4/ 127) وأخرجه الحاكم (المستدرك 2/416) من طريق: ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة به. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. أخرجه الترمذي وحسنه وصححه الألباني (السنن 5/354 - ك التفسير، ب سورة الأحزاب ح3211) . وحسنه الحافظ ابن حجر بعد أن خرجه بطرقه وشواهد (موافقة الخبر الخبر 2/21-25) وقال النووي: إسناده صحيح (انظر تخريج أحاديث الكشاف 3/109) وصححه السيوطي (الجامع الصغير مع فيض القدير 1/277 ح434) جاء في مسند أحمد ط الرسالة (44/ 199) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح شيبة: وهو ابنُ عثمان القرشي، فقد روى له النسائي، وهو ثقة، وقد توبع، فقد رواه عثمان بن حكيم عن عبد الرحمن بن شيبة وعبد الله بن رافع: فرواه يونس بن محمد - كما في هذه الرواية، والرواية الآتية برقم (26604) - ومحمد بن المنهال - كما عند الطبراني في "الكبير" 23/ (665) - كلاهما عن عبد الواحد بن زياد، عن عثمان بن حكيم، عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة، به..)) [صفحة 105] (الرد ) أولا :اما قول الملائكة فتعال نتطلع الى هذه الروايات جاء في الترغيب والترهيب لقوام السنة (1/ 440) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أول من لبى الملائكة، قال الله: {إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} قال: فردوه فأعرض عنهم، فطافوا بالعرش ست سنين، يقولون: لبيك لبيك اعتذاراً إليك، لبيك لبيك نستغفرك ونتوب إليك)) . جاء في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (1/ 62) قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر أنه سمع نبي الله صلي الله عليه وسلم يقول: إن آدم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أهبطه الله تعالى إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب، أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون، قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى يهبط بهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان قالوا: ربنا هاروت وماروت فاهبطا إلى الأرض ومُثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاءتهما فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك فقالا: والله لا نشرك بالله أبدا، فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي [صفحة 106] فقالا: والله لا نقتله أبدا فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبي فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئا مما أبيتماه علي إلا قد فعلتما حين سكرتما فخُيرا بين عذاب الدنيا والآخرة فاختارا عذاب الدنيا (1) . وحسنه الحافظ ابن حجر (2) . ولكن هذه الرواية ثبتت من طريق عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار وذلك فيما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب بنحوه مختصرا ( موقوفا فهي من الإسرائيليات ومتنها يخالف النقل والعقل لما ثبت في الأحاديث الصحيحة في عصمة الملائكة. والأمثلة كثيرة جدا في الروايات المعلولة سندا ومتنا أو كليهما، واكتفيت بنماذج منها.)) قلت صحح الالباني الرواية الموقوفة سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (1/ 315)قال ((قلت: والموقوف صحيح كما يأتي)) نقل الطبري عن ابن عباس ((تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (1/ 456) ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة -يعني الملائكة الذين كانوا مع إبليس، الذين خلقوا من نار السموم- وقال لهم: أنبئوني بأسماء هؤلاء - يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، إن كنتم تعلمون أنِّي لمَ أجعلُ خليفة في الأرض (3) . قال: فلما علمت الملائكة مؤاخذةَ الله عليهم [صفحة 107] فيما تكلموا به من علم الغيب، الذي لا يعلمه غيرُه، الذي ليس لهم به علم، قالوا: سبحانك، تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيرُه - تبنا إليك، لا علم لنا إلا ما علمتنا، تبرِّيًا منهم من علم الغيب، إلا ما علمتنا كما علّمت آدم)) وقال الطبري معلقا على قول ابن عباس هذا ((قال أبو جعفر: وهذه الرواية عن ابن عباس، تُنبئ عن أن قول الله جل ثناؤه:"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرص خليفة"، خطابٌ من الله جل ثناؤه لخاصٍّ من الملائكة دون الجميع، وأنّ الذين قيل لهم ذلك من الملائكة كانوا قبيلة إبليس خاصةً - الذين قاتلوا معه جنّ الأرض قبل خلق آدم - وأنّ الله إنما خصّهم بقيل ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاءً، ليعرِّفهم قصورَ علمهم وفضلَ كثير ممن هو أضعفُ خلقًا منهم من خلقه عليهم، وأنّ كرامته لا تنال بقوَى الأبدان وشدّة الأجسام، كما ظنه إبليس عدوّ الله. ومُصَرِّح بأن قيلهم لربِّهم (1) : "أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء"، كانت هفوةً منهم ورجمًا بالغيب؛ وأن الله جل ثناؤه أطلعهم على مكروه ما نطقوا به من ذلك، ووقَفَهم عليه حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطقوا من رَجْم الغيْب بالظُّنون، وتبرَّأوا إليه أن يعلم الغيب غيرُه، وأظهرَ لهم من إبليس ما كان منطويًا عليه من الكبْر الذي قد كان عنهم مستخفيًا (2))) فانظر رحمك الله الى سياق كل هذه الروايات فانها تبين ان الملائكة فعلت ذلك على سبيل الخطأ ويدل عليه سياق الايات نفسها فالله سبحانه وتعالى لم يرد عليهم فقال اني افعل كذا من اجل مصلحة كذا بل قال لهم (اني اعلم [صفحة 108] ما لا تعلمون )فاكتفوا بذلك وقنعوا به فليقنع الريسوني بهذالرد ايضا ولا يسال الله لم فعلت كذا وهذا الاستدلال من الريسوني كمن استدل بقول نوح (ان ابني من اهلي ) وارادته الشفاعة لابنه الكافر بجواز الاتشفع والاستغفار للكافر لان نوح العبد الصالح فعل ذلك وضرب صفحا عن رد الله عليه (اني اعظك ان تكون من الجاهلين ) وهذا من اعجب الاستدلال .كما ان الملائكة لو فرضنا صحة سؤالهم هذا تنزلا فانما سألوا الله نفسه ليعرفوا غرضه من الفعل نفسه فهل يسال الريسوني الله نفسه حتى نكون على بينة من امرنا من الغرض من التشريع أم انهم لا يزالون يقولون انما فعل كذا من لغرض كذا بمحض الظن الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم انه اكذب الحديث .فمن اين لنا ان نسال الله لم فعلت كذا ان صح لنا هذ السؤال ؟ الجواب ربما يكون عند الريسوني ثانيا : اما استدلاله بكلام ابراهيم (ارني كيف تحيي الموتى ) فلا ادري ما علاقة السؤال (لم فعلت كذا) بدعاء ابراهيم ان يريه ربه كيفية احياء الموتى فلا مدخل لهذا الكلام عن التعليل والسؤال عن العلة اصلا انما هو سؤال مشروع ان يري الله عبده من اياته كي يزداد ايمانا وما هذا الا كالدعاء بزيادة الايمان ولو قلنا تنزلا ان هذا سؤال عن العلة كما احب الريسوني ان يقول فابراهيم يسال الله نفسه فهل يسال المقاصديين الله نفسه عن حكمته حتى نكون على بينة من هذه الاغراض والعلل التي يقولون بها سبحانك هذا بهتان عظيم . __________ [صفحة 109] ثالثا : اما استدلاله بقول مريم فزكريا: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} 4. ومريم: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} 5. قال ابن حزم (الفصل في الملل والأهواء والنحل (1/ 138) قُلْنَا لَيْسَ فِي جَوَاب زَكَرِيَّا وَمَرْيَم عَلَيْهِمَا السَّلَام اعْتِرَاض على بشرى الْبَارِي عز وَجل لَهما كَمَا فِي كتابكُمْ عَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَلَا فِي كَلَام زَكَرِيَّا وَمَرْيَم عَلَيْهِمَا السَّلَام إِنْكَار على أَن يعطيهما وَلدين وهما عقيم وَبكر إِنَّمَا سَأَلَا أَن يعرفا الْوَجْه الَّذِي مِنْهُ يكون الْوَلَد فَقَط لِأَن إِنِّي فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن بِلَا خلاف أَن مَعْنَاهَا من أَيْن فصح مَا قُلْنَا من أَنَّهُمَا سألاه أَن يعرفهما الله تَعَالَى من أَيْن يكون لَهما الْوَالِدَان أَو من أَي جِهَة أبنكاح زَكَرِيَّا لامْرَأَة أُخْرَى أم نِكَاح رجل لِمَرْيَم أم من اختراعه تَعَالَى وَقدرته فَإِنَّمَا سَأَلَ زَكَرِيَّا الْآيَة ليظْهر صدقه عِنْد قومه وَلِئَلَّا يظنّ أَنَّهُمَا أخذاه وادعياه هَذَا هُوَ ظَاهر الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذكرنَا من الْقُرْآن دون تكلّف تَأْوِيل بِنَقْل لفظ أَو زِيَادَة أَو حذف)). فلفظ أنى له معنيان الاول هو كيف والثاني هو من اين كما هو في الاية وشتان بين من اين وبين لماذ فالشؤال عن الكيفية او المصدر ليس هو المقصود بالنهي فقد سال الصحابة ((قلتم انى هذا )) ايمن اين هذا ومن اين اتينا فاخبرهم الله انهم انهم قد اتوا من عند انفسهم وبسبب معصيتهم((قل هو من عند انفسكم )) فالسؤال هنا هو عن شيئ فعلوه هم [صفحة 110] وليس السؤال عن الباعث على تشريع الحكم اي ما الذي جعل الله يشرع هذا الحكم الذي هو السؤال بلم او لماذا ثم لوتنزلنا ايضا فمريم و زكريا انما سالوا الله فأنى لنا هذا الان حتى نحصل على الجواب وليس لدينا الا اوهام المقاصديين وظنونهم الكاذبة فصح ان سؤال مريم وزكريا عليه السلام انما كان عن الجهة وليس عن الباعث على التشريع فلا وجه للاستدلال بهذا هنا ثالثا استدلاله بحديث ام سلمة ((و روى النسائي وأحمد في سبب نزول الآية، أن أم سلمة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: "ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ فأنزل الله هذه الآية.(إن المسلمين و المسلمات ............ الاية ) فالجواب عن ذلك ان السؤال كان بقول (مالنا لا نذكر ) وليس (مال الله لا يذكرنا ) فام سلمة سالت عن السبب الذي من جهتهن الذي جعل الله لا يذكرهن كقول الصحابة (انى هذا ) هذا مثل الاثر في سنن الدارمي (1/ 500) قَالَ: سُلَيْمَانُ يَا أَبَا حَازِمٍ مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ قَالَ: «لِأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمُ الْآخِرَةَ، وَعَمَّرْتُمُ الدُّنْيَا، فَكَرِهْتُمْ أَنْ تُنْتقَلُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ»، فهو انما سال عن السبب الذي فيهم الذي جعلهم يكرهون الموت وليس ما السبب الذي جعل الله يجعلهم يكرهون الموت . وكسؤال اليهود والنصارى [صفحة 111] صحيح البخاري (3/ 90) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلاَةِ العَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ العَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ "، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ، وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا، وَأَقَلَّ عَطَاءً؟ قَالَ: «هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟» قَالُوا: لاَ، قَالَ: «فَذَلِكَ، فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ» وهنا ايضا انما سالوا الله تعالى وانظر الى الجواب( ذلك فضلي اوتيه من اشاء ) الا فليقنع المقاصديين بهذا الجواب حتى لو قلنا تنزلا انهم سالوا الله عن الباعث على التشريع ,فليقنعوا ان الله يفعل ما يشاء ويشرع ما يشاء وفرق بين سؤال ام سلمة هنا ب(ما بالنا ) وسؤال عمر رضي الله عنه عن سبب تشريع الحكم بالمصالحة مع المشركين و رد من امن اليهم فسال عمر هنا السؤال غير المشروع للرسول نفسه ((لم نعط الدنية في ديننا ) الذي ندم عليه بعد ذلك عليه اشد الندم وقال (فعملت لذلك اعمالا ) وانظر كيف رد اعلمنا بالله صلى الله عليه وسلم هل قال مثلما يقول المقاصدييين انه سبحانه شرع هذا الحكم لمصلحة كذا ولعلة كذا بل ما قال الا(اني رسول الله ولست اعصيه ) فليقنع المقاصديين بهذا الجواب وليدعوا الامر لله وحديث الحديبية بطوله في صحيح البخاري. كذلك انظر الى عائشة رضي الله عنها عَنْ مُعَاذَةَ قالت: سَألْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا فَقُلْتُ: مَا بالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلا تَقْضِى الصلاةَ؟ فقالت: أحَرُورِيَّةٌ أنْتِ؟ فَقُلْتُ: لسْتُ بِحَرُورِيَّة. وَلكِنْ أسْألُ. فَقَالَتْ: كَانَ يُصيبُنَا ذلكَ فنؤمَر بِقَضَاءِ الصَّوْم وَلا نُؤمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ [صفحة 112] (1) فلم تتكلف عائشة ماتكلفه المعللون الان كما يقولون وتقول كما يقولون انه اذاكلفهم بالصلاة كان في ذلك مشقه اما الصوم فلا بل ما عللت الا بالنص وكفى وانظر رحمك الله كيف لما علل الصحابة نهية صلى الله عليه و سلم وعملوا على اساس هذا التعليل في تعطيل النص ماذا فعل بهم صلى الله عليه وسلم ففي البخاري عن : عَائِشَةُ: (لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) فِى مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا لا تَلُدُّونِى، قَالَ: فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ بِالدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِى قَالَ: قُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) : لا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا لُدَّ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلا الْعَبَّاسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ) . (لددناه) ، أَي: جعلنَا فِي جَانب فَمه دَوَاء بِغَيْر اخْتِيَاره وقيل هوالتحنيك وادخال الدواء بالاصبع في الفم وهو امر مؤلم جاء في ((عمدة القاري شرح صحيح البخاري (18/ 73) [صفحة 113] (كَرَاهِيَة الْمَرِيض) ، قَالَ عِيَاض: ضبطناه بِالرَّفْع أَي: هَذَا مِنْهُ كَرَاهِيَة الْمَرِيض، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء: هُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا الِامْتِنَاع كَرَاهِيَة. قلت: لَيْسَ فِيهِ زِيَادَة فَائِدَة لِأَن مَا قَالَه مثل مَا قَالَه عِيَاض، وَيجوز النصب على أَنه مفعول، أَي: لأجل كَرَاهِيَة الْمَرِيض، وَيجوز انتصابه على المصدرية أَي: كرهه كَرَاهِيَة الْمَرِيض الدَّوَاء. قَوْله: (وَأَنا أنظر) جملَة حَالية. أَي: لَا يبْقى أحد إلاّ لد فِي حضوري، وَحَال نَظَرِي إِلَيْهِم قصاصا لفعلهم وعقوبة لَهُم لتركهم امْتِثَال نَهْيه عَن ذَلِك، أما من بَاشرهُ فَظَاهر، وَأما من لم يباشره فلكونهم تركُوا نهيهم عَمَّا نَهَاهُم هُوَ عَنهُ. قَوْله: (فَإِنَّهُ لم يشهدكم) ، أَي: لم يحضركم حَالَة اللد، ومَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ كَانَت مَعَهم فلدت أَيْضا وَإِنَّهَا الصائمة لقسم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم،)) جاء في شرح صحيح البخارى لابن بطال (8/ 517) قال المهلب: وأما حديث اللدود فدليل على أنه يؤخذ الناس بالقصاص فى أقل من الجراحات، لأنه (صلى الله عليه وسلم) أمر بأن يقتص له ممن لده فى مرضه وآلمه، وهذا دون جراحه ولا قصد لأذى، وفيه قصاص الرجل من المرأة؛ لأن أكثر أهل البيت كانوا نساء، وفيه دليل على أخذ الجماعة بالواحد. وقال المهلب ايضا ((شرح صحيح البخارى لابن بطال (9/ 415) أنه لما فعل به من ذلك ما لم يأمرهم به من المداواة بل نهاهم عنه، وألم بذلك ألماً شديداً أمر أن يقتصّ من كل [من] فعل به ذلك، ألا ترى قوله: لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا العباس فإنه لم يشهدكم. فأوجب القصاص على كل من لده من أهل البيت ومن ساعده فى ذلك ورآه لمخالفتهم نهيه عليه السلام، وقد جاء هذا المعنى فى رواية ابن إسحاق عن الزهرى، عن [صفحة 114] عبد الله بن كعب بن مالك (أنهم لدوا النبى عليه السلام فى مرضه، فلما أفاق قال: لم فعلتم ذلك؟ قالوا خشينا يارسول الله أن تكون بك ذات الجنب. فقال: إن ذلك لداء ماكان الله ليقذفنى به. لا يبقى فى البيت أحد إلا لد إلا عمى) فقد لدت ميمونة وهى صائمة لقسم رسول الله عقوبة لهم)) جاء في ((فتح الباري لابن حجر (8/ 147) ((وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ لَا يُعْذَرُ بِهِ صَاحِبُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي مُعَارضَة النَّهْي)) اي ان التاويل البعيد قد يعذر فيه اذا لم يكن هناك معارض من نص صريح في النهي أما الحديث فهو مخصوص بحالة وجود نهي صريح يخالف هذا التاويل و الله اعلم والشاهد من هذا الحديث ان الصحابة اولا عللوا الحديث وعللوا نهي النبي صلى الله عليه وسلم فسالوا لماذا نهانا عن اللدود ؟ فاستخرجوا الباعث على النهي من عندهم فقالوا الباعث او العلة هي كراهية المريض للدواء فقط ولم يرد حقيقة النهي فكروا على المعنى الحقيقي للنهي بالنقض وذلك لما اعتقدوه مصلحة وهو ارادتهم شفاء النبي صلى الله عليه وسلم فصار تاويلهم تاويلا بعيدا جدا لمعارضتهم صريح النص بظنونهم ولهذا لم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم و عاقبهم هذه العقوبة المؤلمة العامة لمن باشر ومن لم يباشر لتركهم الظاهر لامر مظنون ومصلحة متوهمة فدل هذ الحديث على ابطال التعليل جملة ووجوب العمل بظواهر النصوص وابطال ترك الدليل لما يظنه الناس مصلحة وابطال البحث في المقاصد جملة و عدم عذر تارك ظاهر النص لتاويل ما مظنون بل وعقوبته كذلك [صفحة 115] وعقوبة الساكت عن الانكار عليه وكان هذا كما جاء في شروح الحديث في مرض موته فلا ناسخ لهذه الاحكام فصلى الله على من مات وتركنا على المحجة البيضاء الا فهل يعتبر المقاصديون و يكفوا عن سؤال ربهم لماذا فعل . خاصة واننا نعتقد انه لا مجيب لهم لانقطاع الوحي وما هي الا تخرصاتهم ولا حول ولا قوة الا بالله قال الريسوني في الرد على ذلك ((نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي (ص: 246) على أن إنكار ما في الأفعال من صلاح وفساد، ومن نفع وضرر، وأن العقول تدلك من ذلك الشيء الكثير، ليس فحسب خروجًا عن المعقول، وإنما هو تجاهل وتعطيل للدلالات الصريحة لكثير جدا من النصوص الشرعية. فقد أمر القرآن الكريم بفعل الخير والصلاح والمعروف، ونهى عن الشر والفساد والمنكر، وأمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفحشاء والبغي، وأخبر أنه أحل الطيبات وحرم الخبائث. فلولا أن لهذه المأمورات وهذه المنهيات معان يعرفها المخاطبون لما كان لمخاطبتهم بها فائدة. فمن يستطيع أن ينكر أن الناس كانوا يوم خوطبوا بها على إدراك واضح لمحتواها ومعناها؟ وأنهم خوطبوا على أساس ذلك الإدراك؟ بل إنهم كانوا يقدرونها قدرها. ولهذا عرفوا أن من يأمر بهذا الخير وبهذا الصلاح، وينهى عن هذا الشر وهذا الفساد، ولا يتجاوزهما، لا يمكن أن يكون كاذبًا، ومن هنا بادر عدد من فضلاء العرب إلى الإسلام [صفحة 116] لمجرد تقديرهم لما دعا إليه من حق وصلاح، وما نهى عنه من ضلال وفساد. فقالت له خديجة: كلا أبشر، فوالله ما يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق3. والتأمل في هذا الموقف، وفي هذا القول، ينبغي أن يوجه إلى ثلاثة جوانب منه، كلها تشهد بالحسن والقبح الذاتيين العقليين: 1- الرسول صلى الله عليه وسلم كان متخلقا بهذه الأخلاق قبل الوحي وقبل البعثة مستحسنًا إياها بعقله السليم وفطرته النقية. 2- السيدة خديجة رضي الله عنها، تستحسن أيضًا، هذه الفعال الكريمة، وترتضيها من زوجها، وتعتبرها من مكارمه وفضائله، وليست في هذا مستندة إلى أي حكم شرعي. 3- السيدة خديجة توقن أن هذه الأفعال لا يمكن أن تلقى من الله إلا الرضى والمحبة، ولا يمكن أن يلقى صاحبها من الله إلا الرعاية والتكريم والجزاء الحسن.)) الرد : قدمنا قبل ان العدل والاحسان وعكسها من مفهوم الشر والفحشاء و الظلم كلها معان ليست هي لعقولنا بل هي على حسب ما اراده الله حتى ابن القيم نفسه الذي استدل بكلامه الشيخ على التعليل بالمصلحة انظر ماذا يقول [صفحة 117] قال ((بل غاية العقل أن يدرك بالإجمال حسن ما أتى الشرع بتفصيله، أو قبحه. فيدركه العقل جملة. ويأتي الشرع بتفصيله، وهذا كما أن العقل يدرك حسن العدل، وأما كون هذا الفعل المعين عدلًا أو ظلمًا، فهذا مما يعجز العقل عن إدراكه في كل فعل وعقد. وكذلك يعجز عن إدراك حسن كل فعل وقبحه. فتأتي الشرائع بتفصيل ذلك وتبيينه. وما أدركه العقل الصريح من ذلك، تأتي الشرائع بتقريره. وما كان حسنًا في وقت قبيحًا في وقت، ولم يهتد العقل لوقت حسنه من وقت قبحه أتت الشرائع بالأمر به في وقت حسنه، وبالنهي عنه في وقت قبحه. وكذلك الفعل يكون مشتملا على مصلحة ومفسدة، ولا تعلم العقول: مفسدته أرجح أم مصلحته؟ فيتوقف العقل في ذلك. فتأتي الشرائع ببيان ذلك، وتأمر براجح المصلحة, وتنهى عن راجح المفسدة. وكذلك الفعل يكون مصلحة لشخص، مفسدة لغيره. والعقل لا يدرك ذلك. فتأتي الشرائع ببيانه، فتأمر به من هو مصلحة له، وتنهى عنه من هو مفسدة في حقه. وكذلك الفعل يكون مفسدة في الظاهر، وفي ضمنه مصلحة عظيمة، لا يهتدي إليها العقل، فلا تعلم إلا بالشرع: كالجهاد والقتل في الله. ويكون في الظاهر مصلحة، وفي ضمنه مفسدة عظيمة لا يهتدي إليها العقل، فتجيء الشرائع ببيان ما في ضمنه من المصلحة والمفسدة الراجحة. هذا مع أن ما يعجز العقل عن إدراكه من حسن الأفعال وقبحها ليس بدون1 ما تدركه من ذلك. فالحاجة إلى الرسل ضرورية. بل هي فوق كل حاجة. فليس العالم إلى شيء أحوج منهم إلى المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين"2.)) [صفحة 118] اما ستدلاله بكلام خديجة فهو غريب جدا اذ يشعر ان قريش لم يكونوا يعرفون اي دين يدلهم على الخير والعكس هو الصحيح بل كان عندهم بقايا دين ابراهيم وكان بعضهم على دين ابراهيم كزيد ابن عمرو بن نفيل وشرائع دين ابراهيم كانت منتشرة مثل الحج كذلك غير ذلك من الشرائع من الديانات الاخرى كاليهودية والنصرانية فكون الكاتب ينسب الى خدجة انها استفادت حكم هذه الامور بعقلها فقط مجازفة شديدة ودعوى تحتاج الى برهان تعقيب: كان ما سبق هو أدلة من قالوا بأن الشريعة مقاصدا قصدها الله سبحانه وتعالى من وراء تشريعه الأحكام وأن المقصد الأساسي الذي شرع الله سبحانه وتعالى هو ما يراه عباده مصلحة ويلاحظ مما سبق أنه لو قيل بهذا القول لصارت الشريعة فوضى بين العقلاء يتجاذبون بظنونهم أطرافها من غير التفات إلى أصولها من الكتاب و السنة, وللزم تغيير الأحكام عند تبدل الأشخاص، و تغير الأوقات، واختلاف البقاع, وهذه تقضي إلى تغيير الشرع بأسره، وإنشاء شرع جديد وهذا باطل بالإجماع، وهم مطالبون بالدليل على ما يقولون، ولم يأتوا بدليل صريح يؤيد مذهبهم هذا، وما عندهم إلا الظن المنهي عنه، فقد قال صلى الله عليه وسلم "إياكم والظن، فإن الظن أكذب [صفحة 119] الحديث"(228). والباحث يذكر هنا إن شاء الله الأدلة الشرعية على بطلان هذا المذهب: أولاً: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (229)، قال الطبري: (لا تعجلوا بقضاء أمر في حروبكم أو دينكم قبل أن يقضي الله لكم فيه ورسوله، فتقضوا بخلاف أمر الله وأمر رسوله) (230). فدلت الآية على النهي عن القول في أي مسألة دون دليل شرعي من كتاب أو سنة ولم يأمر بالرد إلى ما يراه العباد مصلحة. ثانياً: قال تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (231) ، والقائل أن الله سبحانه ترك الأمر لكل ما يراه عباده مصلحة قائل ومتبع ما ليس له به علم بل ما هو إلا محض الظن. ثالثاً: قال تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (232) ، وهذا كالذي قبله، وكل قائل أن الله قصد كذا من كذا دون دليل فهو قائل على الله ما لا يعلم. رابعاً: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) (233) ، وهذه الآية __________ (228) البخاري، الصحيح,مرجع سابق، حديث رقم (5143). (229) سورة الحجرات آية: 1. (230) الطبري،التفسير, مرجع سابق، جـ22، ص272. (231) سورة الإسراء آية: 36. (232) سورة الأعراف آية: 33. (233) سورة المائدة آية 3. [صفحة 120] تتضمن "استقرار هذا الدين بكل جزيئياته الاعتقادية التعبدية والتشريعية فلا تعديل فيها ولا تغيير فقد اكتمل هذا الدين وتم وانتهى أمره"(234). قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (235) ، فأمر سبحانه بالرد عند ال تنازع إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم لا إلى ما نراه مصلحة. سادسا: قال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (236) ، "فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال"(237) فكل ظن خارج الكتاب و السنة فهو ضلال. ثامنا: قال تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (238). قال الخازن (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ) يعني القرآن (تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ) اسم من البيان، قال مجاهد: يعني لما أمر به وما نهى عنه، و قال أهل المعاني (تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ) يعني من أمور الدين"(239). فلا يصح بعد بيان المأمورات والمنهيات الرجوع لأي مصدر سواه وهو قد دل على السنة. __________ (234) قطب (سيد)، في ظلال القرآن، دار الشروق، بيروت، ط17، جـ2، ص833. (235) سورة النساء آية: 59. (236) سورة الشورى آية: 15. (237) القاسمي (محمد جمال الدين بن محمد سعيد)، محاسن التأويل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، سنة 1418هـ- جـ3، ص139. (238) سورة النحل آية: 89. (239) الخازن (علي بن محمد بن إبراهيم) لباب التأويل في معاني التنزيل، دار الكتب العلمية، بيرت، ط1، 1415هـ- جـ3، ص59. [صفحة 121] عاشرا: قال تعالى: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) (240) ، قال الرازي "اعلم أن الله تعالى لما حصر المحرمات في تلك الأربع بالغ في تأكيد هذا الحصر وزيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه الأربع وفي النقصان عنها أخرى، فقد زادوا في المحرمات وزادوا أيضا في المحللات، وبين أن الأشياء التي يقولون أن هذا حلال وهذا حرام كذب وافتراء على الله"(241) . وكذلك كل من أحل وحرم لما يراه مصلحة دون تشريع. حادي عشر: قال تعالى: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) (242) ، قال الطبري "يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قال يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك الذين يعبدون الأوثان والأصنام اتبعوا يا أيها الناس وما جاءكم من عند ربكم بالبيان والهدى واعملوا بما أمركم به ربكم ولا تتبعوا شيئا من دونه يعني شيئا غير ما أنزل إليكم من ربكم بكم"(243). فكل متبع ما يراه مصلحة دون إذن من الله فهو متبع غير ما أنزل الله والله تعالى أعلم بالصواب. فبينت الآيات السابقة وجوب الرد إلى الله سبحانه و تعالى وأوامره وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم وعدم القول على الله بالظن أنه قصد كذا من كذا، وعدم الرد إلى أهواء أحد من البشر أو ما __________ (240) سورة النحل آية: 116. (241) الرازي (محمد بن عمر بن الحسن)، مفاتيح الغيب، دار إحياء الت راث العربي، بيروت، ط3، 1420هـ- جـ20، ص281. (242) سورة الانفال ,اية 41. (سورة الأعراف آية: 3) (243) الطبري،التفسير, مرجع سابق، جـ12، ص298. [صفحة 122] يراه الناس مصلحة وبالله تعالى التوفيق. وبناء على ما سبق يرى الباحث أن استناد أي أحد عند الفتوى في الأمور المتعلقة بالفقه المالي والاقتصادي إلى ما يسمى بالمصلحة في تبرير حكم يخالف الشرعي فهو مستند إلى باطل وسيذكر الباحث إن شاء الله الأمثلة على ذلك فيما بعد. وكذلك أيضا من يستند إلى النظرية المقاصد كمفهوم عام في تبرير أي حكم يخالف حكم الله ورسوله فهو مستند إلى لا شيء هذا وقد وجد الباحث للأسف الكثير من أصحاب الفكر العلماني والليبرالي في الأوقات الحالية يستند إلى هذه النظرية أعني نظرية المقاصد فتارة يسمونها بمبادئ الشريعة العامة, وتارة بروح الشريعة, أو روح النص فيعتمدون عليها مبررين التجافي عن أحكام الشرعية الواضحة الصريحة, ولا أعلم للشريعة روحا ولا ما يسمى مبادئ عامة, وإنما هي أسماء ما أنزل الله بها من سلطان, فلا يلتفت إليها ,ولا يُعبأ بها ,ولذلك أطال الباحث النفس في هذا المبحث مع أنه مبحث أصولي في الأصل، لكنه شديد التعلق والصلة بمواضيع الفقه المالي والاقتصادي المعاصرة، بل أن معظم الفتاوي الاقتصادية المعاصرة المخالفة للنصوص الصريحة من الكتاب أو السنة ما كان استنادها إلا على ما أسموه مقاصد الشرع وما تفرع منه من باب [صفحة 123] المصالح ولا حول ولا قوة إلا بالله. المبحث الثالث مفهوم المقاصد عند الإمام الشاطبي [صفحة 124] مفهوم المقاصد عند الشاطبي تمهيد شاع عند كثير من المعاصرين عند استخدامهم مفهوم المقاصد أن المقصد الاساسي للشارع هومصلحة العباد وأن مصلحة العباد إنما تعرف بالعادة الجارية بين الناس,وما يظنه الناس مصلحة وشاع بينهم نسبة هذا المفهوم الى الشاطبي فهل كان الشاطبي فعلا يقصد ما يقولون وما يرون ,أحاول فى هذا المبحث ايجاد إجابه عن هذا السؤال من خلال عرض اراء الشاطبي حول هذا الموضوع وبالله التوفيق.إلا أنه قبل البدء فى هذا المبحث يود الباحث ان يعرض وجهة نظره التي يتبناها حول المقصود بالمقصد والعلة وغير ذلك فان في تحرير محل النزاع زوال الإشكال بإذن الله. اولا: الفرق بين العلة والسبب والغرض والعلامة والمعنى والمصلحة والحكمة يقول ابن حزم رحمه الله : ((قال أبو محمد فإن قال قائل أنتم تنكرون القول بالعلل وتقولون بالأسباب فما الفرق بين الأمرين فالجواب وبالله تعالى التوفيق أن الفرق بين العلة وبين السبب وبين العلامة وبين الغرض فروق ظاهرة لائحة واضحة وكلها صحيح في بابه وكلها لا يوجب تعليلا في الشريعة ولا حكما بالقياس أصلا فنقول وبالله تعالى التوفيق إن العلة هي اسم لكل صفة توجب أمرا ما إيجابا ضروريا والعلة لا تفارق المعلول البتة ككون النار علة الإحراق والثلج علة التبريد الذي لا يوجد أحدهما دون الثاني أصلا وليس أحدهما قبل الثاني أصلا ولا بعده وأما السبب فهو كل أمر فعله المختار فعلا من أجله لو شاء لم يفعله كغضب أدى إلى انتصار فالغضب سبب الانتصار ولو شاء المنتصر ألا ينتصر لم ينتصر وليس السبب موجبا للشيء المسبب منه ضرورة وهو قبل الفعل المتسبب منه ولا بد, وأما الغرض فهو الأمر الذي يجري إليه الفاعل ويقصده ويفعله ,وهو بعد الفعل ضرورة فالغرض من الانتصار إطفاء الغضب وإزالته ,وإزالة الشيء هي شيء غير وجوده, وإزالة الغضب غير الغضب, والغضب هو السبب في الانتصار, وإزالة الغضب هو الغرض في الانتصار, فصح أن كل معنى مما ذكرنا غير المعنى الآخر فالانتصار بين الغضب وبين إزالته وهو مسبب للغضب وإذهاب الغضب هو الغرض منه. [صفحة 125] وأما العلامة فهي صفة يتفق عليها الإنسانان, فإذا رآها أحدهما علم الأمر الذي اتفقا عليه مثل قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لابن مسعود: إذنك على أن يرفع الحجاب وأن تستمع سوادي حتى أنهاك, فكان رفع الحجاب واستماع حركة الني صلى الله عليه و سلم علامة الإذن لابن مسعود ,وكقوله صلى الله عليه و سلم إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار, فكانت أصوات الأشعريين بالقرآن علامة لموضع نزولهم ,ومن هذا أخذت الأعلام الموضوعة في الفلوات لهداية الطريق والأعلام في الجيوش لمعرفة موضع الرئيس وقال أبو محمد وهذا معنى رابع وقد سمي أيضا العلل معاني وهذا من عظيم شغبهم وفاسد متعلقهم وإنما المعنى تفسير اللفظ مثل أن يقول قائل معنى الحرام فتقول له هو كل ما لا يحل فعله أو يقول معنى الفرض فنقول هو كل ما لا يحل تركه أو يقول ما الميزان فنقول له آلة يعرف بها تباين مقادير الأجرام ,فهذا وما أشبهه هو المعاني وهذا أيضا شيء خامس وكل هذا لا يثبت علة للشرائع ولا يوجب قياسا لأن العلامة إذا كانت موضوعة لأن يعرف بها شيء ما فلا سبيل إلى أن يعرف بها شيء آخر بوجه من الوجوه لأنه لو كان ذلك لما كانت علامةو لما جعلت له علامة ,ولوقع الإشكال . قال أبو محمد فلما كانت هذه المعاني المسماة الخمسة التي ذكرنا مختلفة متغايرة كل واحد منها غير الآخر وكانت كلها مختلفة الحدود والمراتب وجب ألا يطلق على كل واحد منها اسم غير الاسم الذي لغيره منها , ليقع الفهم واضحا ولئلا تختلط فيسمى بعضها باسم آخر منها فيوجب ذلك وضع معنى في غير موضعه فتبطل الحقائق ، والأصل في كل بلاء وزعماء و تخليط وفساد اختلاط أسماء ,ووقوع اسم واحد على معاني كثيرة, فيخبر المخبر بذلك الاسم وهو يريد أحد المعاني التي تحته ,فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر, فيقع البلاء والإشكال وهذا في الشريعة أضر شيء وأشده هلاكا لمن اعتقد الباطل إلا من وفقه الله تعالى. هذه الأسماء الأربعة وهي العلة والغرض والسبب والعلامة بينا أن معانيها مختلفة وأن مسمياتها شتى وحسمنا داء من أراد إيقاع اسم العلة في الشريعة على معنى السبب فيخرج بذلك إلا ما لا يحل اعتقاده من أن الشرائع شرعها الله تعالى لعلل أوجبت عليها أن يشرعها أو إلى الفرية على الله تعالى في الإدعاء أنه شرع عللا لم ينص عليها هو تعالى ولا رسوله صلى الله عليه و سلم ,و لا أذنا بها ,ولا بد لأهل العلل من أحد هذين السبيلين وكلاهما مهلك . ولسنا ننكر أن يكون الله تعالى جعل بعض الأشياء سببا لبعض ما شرع من الشرائع بل نقر بذلك ونثبته حيث جاء به في النص كقوله صلى الله عليه و سلم أعظم الناس جرما في الإسلام من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته ,وكما جعل تعالى كفر الكافر وموته كافرا سببا إلى خلوده في نار جهنم, والموت على الإيمان سببا لدخول الجنة, وكما جعل السرقة بصفة ما سببا للقطع ,والقذف بصفة ما سببا للجلد ,والوطء بصفة ما سببا للجلد والرجم ,وكما نقر بهذه الأسباب المنصوص عليها ,فكذلك ننكر أن يدعي أحد سببا حيث لم ينص عليه . ولسنا نقول إن الشرائع كلها لأسباب بل نقول ليس منها شيء لسبب إلا ما نص منها أنه لسبب وما عدا ذلك فإنما هو شيء أراده الله تعالى الذي يفعل ما شاء ولا نحرم ولا نحلل ولا نزيد ولا ننقص ولا نقول إلا ما قال ربنا عز و جل ونبينا صلى الله عليه و سلم ولا نتعدى ما قالا ولا نترك شيئا منه ,وهذا هو الدين المحض الذي لا يحل لأحد خلافه ولا اعتقاده سواء وبالله تعالى التوفيق . وقد قال الله تعالى واصفا لنفسه { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } فأخبر تعالى بالفرق بيننا وبينه وأن أفعاله لا يجزىء فيها لم ؟ [صفحة 126] وإذا لم يحل لنا أن نسأله عن شيء من أحكامه تعالى وأفعاله لم كان هذا؟ فقد بطلت الأسباب جملة وسقطت العلل البتة إلا ما نص الله تعالى عليه أنه فعل أمرا كذا لأجل كذا وهذا أيضا مما لا يسأل عنه فلا يحل لأحد أن يقول لم كان هذا السبب لهذا الحكم ولم يكن لغيره ولا أن يقول لم جعل هذا الشيء سببا دون أن يكون غيره سببا أيضا لأن من فعل هذا السؤال فقد عصى الله عز و جل وألحد في الدين وخالف قوله تعالى .)(244) ومن هذا الكلام يتبين الفرق الهام جدا بين هذه الاصطلاحات وان استخدام احدها مكان الاخر يحدث خلطا كبيرا الا انه يجب هنا بيان معنى هذه الاصطلاحات عند العلماء الاخرين حتى يتبين الفرق ويتحرر اولا معنى السبب : ، قال الزركشي: "وفي الشرع، قال الأكثرون: هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل دليل السمع على كونه معرفاً للحكم الشرعي" وعقب قائلاً: "كجعل دلوك الشمس معرَّفاً لوجوب الصلاة... كالدلوك للصلاة ورؤية الهلال في رمضان لوجوب الصوم وكالنصاب للزكاة ) (245) ، اذن السبب هنا هو بنفس المعنى الذى عناه ابن حزم اما العلة عند الاصوليين يعنون بها الوصف الظاهر المنضبط المناسب لمعنى الحكم (246) ، ويقصدون بالوصف هو العلامة التى عندها يوجد الحكم ,مثل ان يقولوا أن الكيل هي علة تحريم النساء, فلا يباع مكيل بمكيل بالنساء ,أو قولهم أن الإسكار علة تحريم المشروب سواء كانت هذه العلامة نص الله سبحانه على كونها سببا كمافى حالةالاسكار وهنا يتفق معهم ابن حزم, أم لا فيلجأون حينئذ الى استنباط علة كما فى حالة استنباط علة الكيل, وهنا يخالفهم ابن حزم فلا سبب عنده الا ما جعله الله سببا . معنى العلة العلة عند الاصوليين هى الوصف الظاهر المنضبط المناسب لمعنى الحكم ، إذن هى علامة على الحكم على التعريف الذى اعتمده الباحث من كلام ابن حزم أولا,فإذا وجدت وجد الحكم عندها ,ومثالها السفر علة القصر ,فعند وجوده وجب أو استحب القصر,ولكنها علامة ظاهره غير خفية ,وكذلك منضبطة لا تختلف باختلاف الأشخاص والأماكن والأزمنة, وجعلوا هناك شروطا لهذا السبب أولا: أن يكون وضع هذا السبب له غرض من الشارع على التعريف المعتمد أى لا بد ان يكون له قصد من وضعه أو مقصداأو حكمة ,وهذه الحكمة هي التي تجعل هذا الوصف مناسبا,بمعنى أننا لو رتبنا الحكم الشرعي على هذا الوصف لتحققت لنا ما اسموه بالمصلحة ,وهذه __________ (244) ) ابن حزم,الإحكام في اصول الاحكام,مرجع سابق ,ج8 ص563 . (245) الزركشي (محمد بن بهادر ),البحر المحيط,دار الكتب العلمية,بيروت ,لبنان,1421ه,2000م,ج1ص246. (246) زيدان (عبد الكريم),الوجيز في أصول الفقه,مؤسسة قرطبة ,ص203. [صفحة 127] المصلحة هي غرض الله ومقصده وحكمته من تشريع ذلك الحكم . قال الآمدي: "اختلفوا في جواز كون العلة في الأصل بمعنى الأمارة المجردة والمختار أنه لا بد وأن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث أي مشتملة على حكمةٍ صالحةٍ أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وإلا فلو كانت وصفاً طردياً لا حكمة فيه بل أمارة مجردة فالتعليل بها في الأصل ممتنع"(247) وقد عرف الآمدي الحكمة بأنها (المقصود من شرع الحكم) (248)، وعلى هذا كلٌ من قصد الشارع أو الحكمة أو المقصد كل ذلك يندرج تحت مفهوم الغرض عند ابن حزم ويعنون به غرضه سبحانه من تشريع الحكم . واختلفوا فى مقصد الله من التشريع فعرفها بعضهم مثل د/ احمد الريسوني(أنها الغايات التى وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد) (249) . وإلى هذا التعريف ونحوه يذهب جمهور الذين يتحدثون عن المقاصد الآن ويقصدون بالمصلحة وصف للفعل يحصل الصلاح أى النفع منه دائما أو غالبا للجمهور او للآحاد ) (250) ، ويقصدون بالمصالح هنا هو ما عده الناس مصلحة إذن فقصد الشارع أو غرضه تحقيق ما يظنه الناس مصلحة , وهذا الشيخ محمد الطاهر بن عاشور يقول: "واستقراء أدلة كثيرة من القرآن والسنة الصحيحة يوجب لنا اليقين بأن أحكام الشريعة الإسلامية منوطة بحكم وعلل راجعة للصلاح العام __________ (247) الآمدي(علي بن محمد)الإحكام في أصول الأحكام,دار الكتاب العربي ,بيروت لبنان,الطبعة الأولى, 1404ه,ج3ص2241404ه,ج3ص224 1404ه,ج3ص224. (248) الآمدي,المرجع السابق,ج2ص224. (249) الريسوني(احمد),نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي,ص19. (250) طه (حمدي صبح),المقاصد والغايات ,وقائع المؤتمر العام الثاني والعشرين ,ص28. [صفحة 128] للمجتمع والأفراد ) (251) . ولاشك أن هناك الكثير من الأمور التى هى فى نظر الناس مصلحة قد اهدرها الشارع. إذن الغرض أو المقصداأو الحكمة عندهم من تشريع الحكم هو مصلحة العباد, وهذا هو المقصود من قولهم المناسب والوصف المناسب هو الذي يترتب عليه مصلحة أو مفسدة بحسب كون الحكم طلباً للفعل أو نهياً عنه. إلا أن تعيين الوصف المصلحي المناسب في الحكم يتأثر بنظرة المجتهد إلى ما هو مصلحة وما هو مفسدة، وبنظرته إلى مسألة الحسن أو القبح في الأفعال، فقد يتخيل مصلحة ثم يظهر بعد السبر والبحث أنها مفسدة والعكس صحيح، أو أن الشرع قد ألغاها أو أهدرها، أو أن هناك ما هو أصلح منها وأكثر مناسبة للتعليل ، ويقول الشوكاني: "المناسبة: ويعبر عنها بالإخالة وبالمصلحة وبالاستدلال وبرعاية المقاصد) (252) . اذن العلة عند هؤلاء الاصوليين عبارة عن علامة وضعها الشارع سببا للحكم الشرعي وهذه العلامة لا بد أن تكون ظاهرة غير خفية ككون السفر علة للقصر فالسفر أمر ظاهر وأن تكون منضبطة لا تختلف باختلاف الأشخاص فلا يصح جعل المشقة علة للقصر لكونها غير منضبطة وأن تكون العلة مناسبة أى يتحقق منها مصلحة للعباد ,وهذه المصلحة فى المثال هى دفع المشقة ,وتحقيق هذه المصلحة ودفع هذه المضرة هى ما يسمونه بالحكمة أو المقصد أو غرض الشارع وهذا المفهوم للعلة يختلف عن ما يسميه ابن حزم علةلأنها عنده (هي اسم لكل صفة توجب أمرا ما إيجابا ضروريا والعلة لا تفارق المعلول البتة )وهذه يسمونها هم العلة العقلية اما الأخرى التي __________ (251) عاشور(محمد بن الطاهر),وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ,قطر,1425ه,2004م,ج2ص245. (252) الشوكاني(محمد بن علي) ارشاد الفحول الى تحقيق الحق من علم الاصول,دار الكتاب العربي, الطبعة الأولى,1419ه,1999م,ج2 ص127. [صفحة 129] يقصدونها فى التعريف يسمونها العلة الشرعية ، قال الزركشي: "وهي تنقسم إلى عقلية: وهي لا تصير علة بجعل جاعل بل بنفسها وهي موجبة لا تتغير بالأزمان كحركة المتحرك، وشرعية: وهي التي صارت علة بجعل جاعل. ثم قال: "وإنما تسمى العلل الشرعية علةً مجازاً أو اتساعاً، وإلا ففي الحقيقة العلة ما أوجب الحكم بنفسه، وهي العلة العقلية، وأما التي توجبه بغيرها فليست وإنما هي أمارة على الحكم ) (253) . مفهوم المقاصد عند الشاطبي إن الملاحظ من كلام الشاطبي عن المصالح أنه إنما كان يقصد بالمصالح المطلوب الحفاظ عليها وتحصيلها هوكل ما أمر به الشارع وليس كل ما اشتهاه الناس وظنوه مصلحة وأن المفسدة المطلوب البعد عنها وتقليلها هى كل ما نهى الله عنه ,وليس كل ما شق على العباد فعله ,وإن الشريعة لم تأت موافقة لاهواء العباد في كل ما يشتهونه بل ما جاءت إلا لتحقيق العبودية لله وحده بالتزام طاعته واجتناب نواهيه سبحانه ,وأن المصلحة الكبرى للخلق هى تحصيلهم رضوان الله ودخولهم جنته , وأن المفسدة لكبرى إنما هي تحصيل سخط الله ودخول ناره , و أي مشقة تحصل نتيجة التكليف إنما هي هباءا متطايرا بالنسبة للمشقة الحاصلة من النار أعاذنا الله منها,وبهذا يكون المعنى المقصود هنا هو الغرض فى التعريف الذى اعتمده الباحث فالغرض من خلق العباد انما هو عبادته سبحانه وتعالى ,وجعل الله طاعته سببا لدخول الجنة ومرضاته,وجعل معصيته سببا في ناره وسخطه على ما بين سبحانه وتعالى. __________ (253) الزركشي,البحر المحيط, مرجع سابق,ج4ص103. [صفحة 130] أقوال الشاطبي والتعليق عليها قال: "الأسباب الممنوعة أسباب للمفاسد لا للمصالح كما أن الأسباب المشروعة أسباب للمصالح لا للمفاسد" (254). ومن هذا النص يتبين أن الشاطبي جعل كل سبب ممنوع هو سبب المفاسد فكل سبب لتحصيل المال من الحرام ممنوع مثل الربا او الغرر أوالقمار أو غير ذلك من أنواع البيوع المنهى عنها إنما هى مفاسد محضة لا مصلحة فيها, وإن ظنها الناس مصلحة والعكس صحيح. وقال: "إذا كان كذلك لم يصح لأحد أن يدعي على الشريعة أنها وضعت على مقتضى تشهي العباد وأغراضهم "(255) . وهذا نص منه صريح ترد كل من قال أن الشريعة إنما هي تبع لما يراه العباد مصلحة. وقال: "إن كون المصلحة مصلحة تقصد بالحكم والمفسدة مفسدةً كذلك مما يختص بالشارع لا مجال للعقل فيه بناءً على قاعدة نفي التحسين والتقبيح، فإذا كان الشارع قد شرع الحكم لمصلحة ما فهو الواضع لها مصلحةً وإلا فكان يمكن عقلاً أن لا تكون كذلك إذ الأشياء كلها بالنسبة إلى وضعها الأول متساوية لا قضاء للعقل فيها بحسن ولا قبح" (256). ومن هذا النص يتبين أن التحسين والتقبيح العقلي لا مجال له في تحديد ما هو مصلحة وما هو مفسدة ولا مجال للعقل أو التشهي في ذلك ,وإن الشارع هو الواضع للمصالح لا غيره. __________ (254) الشاطبي,الموافقات,مرجع سابق، ج1-ص374. (255) الشاطبي,المرجع السابق,ج2ص292. (256) الشاطبي,المرجع السابق, ج2ص534. [صفحة 131] وقال: " أن وضع الشريعة إذا سلم أنها لمصالح العباد فهي عائدة عليهم بحسب أمر الشارع وعلى الحد الذي حده لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم، ولذا كانت التكاليف الشرعية ثقيلة على النفس"(257). وقال: "إن حكمة الحكيم الخبير حكمت أن قيام الدين والدنيا إنما يصلح ويستمر بدواعٍ من قبل الإنسان تحمله على اكتساب ما يحتاج إليه هو وغيره، فخلق له شهوة الطعام والشراب إذا مسه الجوع والعطش ليحركه ذلك الباعث إلى التسبب في سد هذه الخلة بما أمكنه، وكذلك خلق له الشهوة إلى النساء لتحركه إلى اكتساب الأسباب الموصلة إليها" (258). ثم قال: "ولو شاء الله لكلف بها مع الإعراض عن الحظوظ أو لكلف بها مع سلب الدواعي المجبول عليها، لكنه امتن على عباده بما جعله وسيلة إلى عمارة الدنيا للآخرة وجعل الاكتساب لهذه الحظوظ مباحاً لا ممنوعاً لكن على قوانين شرعية هي أبلغ في المصلحة وأجرى على الدوام مما يعده العبد مصلحة"(259) . ومن هذا النص ايضا يتبين من مقصود الشاطبي في كتابه من ترديده لفظ مصالح العباد أن المقصود به إنما هو أوامر الشارع ولكن هذه الأوامر لم تمنع العباد من تحصيل ما يشتهون ولكن تحصيلهم ذلك ليس مطلقا بل مقيد بقيود وضعها الشارع وكان ذلك من رحمة الله بهم ولو شاء الله ما فعله وان هذه القيود الموضوعة من الاأوامر والنواهي هي المصلحة الحقة لا ما يظنه العبد مصلحة. ويقول ايضا: "المصالح المجتلبة شرعاً والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية، والدليل على ذلك أمور: أحدها : ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ )(260) ، __________ (257) المرجع السابق , ج2 ص294. (258) المرجع السابق,ج2ص303. (259) المرجع السابق ,نفس الصفحة. (260) سورة المؤمنون، الآية: 71. [صفحة 132] والثاني: ما تقدم معناه من أن المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالمضار عادةً كما أن المضار محفوفة بالمنافع، كما نقول إن النفوس محترمة محفوظة ومطلوبة الإحياء بحيث إذا دار الأمر بين إحيائها وإتلاف المال عليها كان إحياؤها أولى، فإن عارض إحياؤها إماتة الدين، كان إحياء الدين أولى وإن أدى إلى إماتتها كما في جهاد الكفار وقتل المرتد وغير ذلك، وكما إذا عارض إحياءُ نفسٍ واحدةٍ إماتة نفوس كثيرة في المحارب مثلاً، كان إحياء النفوس الكثيرة أولى، وكذلك إذا قلنا الأكل والشرب فيه إحياء النفوس وفيه منفعة ظاهرة مع أن فيه من المشاق والآلام في تحصيله ابتداءً وفي استعماله حالاً وفي لوازمه وتوابعه انتهاءً كثيراً. ومع ذلك فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا لا من حيث أهواء النفوس"(261) . وهذا النص واضح جلي ينسف ما يدعيه المبطلون من أن الشرع انما هو بحسب ما يظنه الناس مصلحة فلا شك أن كل انسان إنما هو يسعى الى هوى نفسه وما يعتقده هو مصلحة, وقد ردت الآية ذلك وأن الحق ليس هو فى اتباع الاهواء وإنما الحق هو فيما نزل الله فقط لا فيما ظنه الاناس مصلحة . ثم قال: "كما أن المشقة تكون دنيوية كذلك تكون أخروية، فإن الأعمال إذا كان الدخول فيها يؤدي إلى تعطيل واجب أو فعل محرم فهو أشد مشقةً باعتبار الشرع من المشقة الدنيوية التي هي غير مخلة بدين. واعتبار الدين مقدمٌ على اعتبار النفس وغيرها في نظر الشرع"(262) . وهذا النص هام جدا فى تفسير مفهوم الشاطبي لمفهوم رفع الحرج ومفهوم المشقة عند الشاطبي __________ (261) الشاطبي, المرجع السابق,ج2ص64. . (262) المرجع السابق,ج2ص265. [صفحة 133] إذ ليس كل ما يدعيه هؤلاء المعاصرون مشقة يسقط بها الحكم الشرعي’ فقولة تعالى: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (263) صحيح بلا شك ولكن أي يسر الذى يتحدثون عنه وأي مشقة تلك التي أزالها الله عنا في تشريعاته؟ هل هي كل مشقة؟ بالطبع لا ,فصيام الفرض فى الهواجر, والوضوء بالماء البارد ,والقتال ,والصبر على حفظ الدين رغم البلاء والمشقة كما قال تعالى(, ((264) . فلم يبح الله لرسولة تغيير الشرع وموافقة أهواء المشركين وهو سبحانه يعلم مدى العنت والمشقة التي تلحقه وتلحق اصحابه من جراء ذلك ,كل ذلك يؤدي إلى القول بأن المشقة الأخروية ومشقة ما بعد الموت هي أعظم المشقات التى أراد الله رفعها عنا وما ترفع هذه المشقات الكبرى إلا بتنفيذ أوامر الله تعالى __________ (263) سورة البقرة، الآية :185 . (264) سورة الإسراء ، الآيات 75,74,73. [صفحة 134] وان أدت الى مشقة معتادة في مثلها فى الدنيا. ويقول" المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبدٌ لله اضطراراً "(265). والدليل على ذلك أمورٌ: أحدها: النص الصريح الدال على أن العباد خلقوا للتعبد لله والدخول تحت أمره ونهيه كقوله تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) (266) .. وقوله تعالى: ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ ) (267). وقوله: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (268)... إلى غير ذلك من الآيات الآمرة بالعبادة على الإطلاق وبتفاصيلها على العموم فذلك كله راجع إلى الرجوع إلى الله في جميع الأحوال والانقياد إلى أحكامه على كل حال وهو معنى التعبد لله... والثاني: ما دل على ذم مخالفة هذا القصد من النهي أولاً عن مخالفة أمر الله وذم من أعرض عن الله... وأصل ذلك اتباع الهوى والانقياد إلى طاعة الأغراض العاجلة والشهوات الزائلة... والثالث: ما علم بالتجارب والعادات من أن المصالح الدينية والدنيوية لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى والمشي مع الأغراض"(269) . يقول: "فقد جعل الله اتباع الهوى مضاداً للحق وجعله قسيماً له... فقد حصر الأمر في شيئين الوحي وهو الشريعة، والهوى، فلا ثالث لهما، وإذا كان كذلك فهما متضادان وحين تعين الحق في الوحي توجه للهوى ضده... فهذا كله واضح في أن قصد الشارع الخروج عن اتباع الهوى والدخول __________ (265) الشاطبي,المرجع السابق,ج2ص289 . (266) سورة الذاريات، الآيات 57,56. (267) سورة طه، الآية: 132. (268) سورة البقرة، الآية: 21. (269) المرجع السابق ,ج2ص292. [صفحة 135] تحت التعبد للمولى"(270) . ويقول: "فالجواب أن وضع الشريعة إذا سلم أنها لمصالح العباد فهي عائدة عليهم بحسب أمر الشارع وعلى الحد الذي حده لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم، ولذا كانت التكاليف الشرعية ثقيلة على النفوس... فالأوامر والنواهي مخرجة له عن دواعي طبعه واسترسال أغراضه حتى يأخذها من تحت الحد المشروع وهذا هو عين المراد، وهو عين مخالفة الأهواء والأغراض. أما أن مصالح التكليف عائدة على المكلف في العاجل والآجل فصحيح، ولا يلزم من ذلك أن يكون نيله لها خارجاً عن حدود الشرع، ولا أن يكون متناولاً لها بنفسه دون أن يناولها إياه الشرع، وهو ظاهر، وبه يتبين أن لا تعارض بين هذا الكلام وبين ما تقدم لأن ما تقدم نظر في ثبوت الحظ والغرض من حيث أثبته الشارع لا من حيث اقتضاه الهوى والشهوة" (271). وهذا النص يبين بوضوح مقصود الشاطبي من المصلحة, إذ ليس كل ما حسبه الناس مصلحة هو مصلحة بل كل ما أمر الشارع به هو مصلحة فى دين المكلف ودنياه, وكله يسر ,وكله لا حرج فيه ,وان كان فى بعض الاحيان يرى المكلف فيه العنت والتعب والمشقة. وقال أيضاً: "المقاصد الشرعية ضربان: مقاصد أصلية ومقاصد تابعة، فأما المقاصد الأصلية فهي التي لا حظ فيها للمكلف" (272). وقال: "وأما المقاصد التابعة فهي التي روعي فيها حظ المكلف فمن جهتها يحصل له مقتضى ما جُبلَ عليه من نيل الشهوات والاستمتاع بالمباحات وسد الخلات"(273) . __________ (270) الشاطبي,المرجع السابق,ج2 ص291. (271) المرجع السابق ,ص295. (272) المرجع السابق ج2ص300 . (273) المرجع السابق ,ج2ص303. [صفحة 136] من هذا النص تبين ان المقاصد عند الشاطبي تنقسم الى مقاصد اصلية وهذه المقاصد الاصلية يعني بها والله اعلم هو مقصد خلق الناس للعبادة أو مقصد امتثال العبد للتكليف كما سياتي ان شاء الله, وأن هذه المقاصد لا حظ فيها للعبد ولا هي تابعة لاهواءه, ولكن هي لله سبحانه فقط ,لكن بعد التشريع منه سبحانه يكون هناك ما يسمى بالمقاصد التابعة وهذه المقاصد هي المتعلقة بالمكلف وقد تكون هذه المقاصد موافقة لمقصود الشارع أو مخالفة له فان وافقته فهي مباحه ومصلحة وان خالفته فهي محرمة ومفسدة. مفهوم المقاصد عند الشاطبي يقول: "والمقاصد التي ينظر فيها قسمان :أحدهما يرجع إلى قصد الشارع. والآخر يرجع إلى قصد المكلف. فالأول يعتبر من جهة قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء، ومن جهة قصده في وضعها للأفهام، ومن جهة قصده في وضعها للتكليف بمقتضاها، ومن جهة قصده في دخول المكلف تحت حكمها؛ فهذه أربعة أنواع"(274) . يقول صبحى طه : "إن الشاطبي بين أن مقاصد الشارع من الشريعة اربعة انواع هى: قصده فى وضع الشريعة ابتداء وقصده فى وضعها للإفهام وقصده وضعها للتكليف بمقتضاها وقصده دخول المكلف تحت حكمها وهذا ليس مجرد رأي الشاطبي وانما هو متقرر عند الجميع لا يمكن لأحد أن ينكره فعند الجميع الشريعة مقصود بها جلب المصالح للناس ومقصود بها ايضا إفهام المخاطبين ما تضمنته من احكام وتكليفهم بتلك الاحكام وامتثالهم لها وهذه المقاصد حقائقها مختلفة فمنها ما هو جلب مصالح للناس ومنها ما هو ابتلاء لهم ليميز الله الخبيث من الطيب ومنها ماهو إفهام لهم حتى تقوم الحجة عليهم, ومنها ما هو فعلهم وهو الطاعة والامتثال لما ورد بالشريعة, ومعلوم أن ليس كل ذلك مصالح للناس إذ من الناس من لا يجتاز هذا الابتلاء بنجاح , ومنهم من لا يمتثل ومنهم من يضل بما فهم قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) إ (275) ، فالمصلحة ليست فى قصد التكليف ولافى قصد الامتثال ولا فى قصد الافهام, وإنما المصلحة فى نفس الامتثال وفى الإنتفاع بما يفهم ,وفى اجتياز الابتلاء بنجاح ,فثبت بذلك أن حقائق الشرع حقائق مختلفة ومن ثم فإنه يصعب وضع تعريف يشملها , ولعل هذا سبب آخر يضاف إلى ما ذكرته من قبل سببا لعدم تعريف السابقين لمقاصد الشريعة, ولعله السبب فى أن تعريفات المعاصرين اتجهت الى تعريف النوع الاول فقط وهو الذى تنصرف اليه عبارة (مقاصد الشريعة) عند اطلاقها عند الأعم الاغلب من علماء الشريعة غير المتخصصين في علم الأصول ومن ثم يمكن القول بأن تعريفات المعاصرين ليست تعريفات فى __________ (274) الشاطبي ,المرجع السابق,ج2ص7. (275) سورة إبراهيم ، الآية 4. [صفحة 137] الحقيقة لمقاصد الشريعة، وإنما هو تعريف لنوع واحد منها ولو أردنا تعريفا يجمع كل ما يندرج تحت مصطلح مقاصد الشريعة لقلنا مقاصد الشريعة هى :(ما أراد الشارع حصوله بالأحكام او جملة منها )وانما قلت (ما أراد الشارع)ليندرج فى التعريف كل ما اراده الشارع بالتشريع سواء أكان مصالح للمكلفين أم لم يكن كالابتلاء ولم أقل (حصوله للناس ) وانما قلت حصوله فحسب ليندرج فى التعريف ما قصد بالتشريع حصوله لهم كالمصالح والابتلاء أو حصوله منهم كالامتثال و الفهم والمراد بالأحكام نفس النصوص التى تضمنت التكاليف من وجوب وندب وندب وتحريم وكراهة واباحة كما هو مصطلح الاصوليين وما تعلق بها من اسباب وشروط وموانع " (276). وهذا الكلام هام جدا وضروري جدا لتصحيح فهم الناس للمقاصد التي عناها الشاطبي بقوله واختصار للاسف أغلب المعاصرين مفهوم المقاصد في نوع واحد فقط حتى ظن كثير من الناس أن مفهوم المقاصد عند الشاطبي هو هذا الذي يعنونه حتى أنهم بعد كتابتهم عن المقاصد في كتبهم أو مقالاتهم يقولون: إن من أوائل من نظر للمقاصد هو الشاطبي ,والشاطبي براء من مقولتهم تلك كما تبين ولا يدري الباحث أغفلة تلك أم سوء قصد؟ إذ ترتب على ذلك فساد عريض ,وأقوال ما أنزل الله بها من سلطان بها مخالفة صريحة للشريعة. ولم يقتصر هؤلاء على أنواع المقاصد التي ذكرها السابقون, بل قالوا بما يسمى تجديد المقاصد فأخذوا يستنبطون مقاصد جديدة لله سبحانه وتعالى’ وكأن خير القرون كانوا فى غفلة عن هذا الخير الذى توصل اليه الآخرون من استنباطهم قصد الله وغرضه, ولا يدري هؤلاء أنهم ينسبون التقصير لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يعلم مقاصد الله تلك التي يغيرون لها الاحكام ثم لم يبلغنا بها مع أهميتها حتى أتى هؤلاء واكتشفوها , ونعى هؤلاء على العلماء السابقين فى عدم اهتمامهم باستخلاص ما اسموه المقاصد العامة" (277)... فابطلوا حد الردة بما أسموه مقصد حرية الاعتقاد , وأباحوا للمرأة تزويج نفسها مخالفة لحديث : ( لا نكاح إلا بولي ) (278) لمقصد سماحة الشريعة بتغير الاحكام لتغير العرف, وكإجازتهم للمرأة وصل الشعر والتفليج بالمخالفة لحديث (لعن الواصلة والمتفلجات للحسن) (279) ، لنفس المقصد السابق بل وأكثر من ذلك إباحة الربا الصريح مع الاغنياء لما أسماه التنمية والاستثمار وذلك لأن مقصد الشرع هو هداية الخلق أخلاقيا وتربويا ولا منافاة بين ذلك وبين إقراض الغني بفائدة, فتفهم نصوص تحريم الربا تحت هذا المقصد الكلي فيقتصر فى تحريمها على الفقير فقط(280). ولا حول ولا قوة الا بالله. __________ (276) طه(حمدى صبح), المقاصد والغايات,أبحاث ووقائع المؤتمر العام الثاني والعشرين,ص7,8. (277) عودة(جاسر), مفهوم المقاصد الشرعية ودورها فى مجال الاجتهاد,مطبوعات الجامعة الأمريكية المفتوحه, ص47 . (278) أبو داود, السنن.1785. (279) مسلم,3966. (280) جابر(حسن)مجالات من المقاصد فى التنمية, من مطبوعات الجامعة الأمريكية المفتوحه ,ص99 .